لم تكن زيارة سانتياغو أباسكال، زعيم حزب «فوكس» الإسباني، إلى سبتة السليبة، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، مجرد محطة عابرة في برنامج سياسي متزامن مع العيد الوطني الإسباني، بل حملت في مضمونها وتوقيتها رسائل تتجاوز حدود المدينة، لتضع من جديد قضايا الهجرة والسيادة والحدود والعلاقات المغربية الإسبانية في قلب التجاذبات الحزبية داخل إسبانيا.
فحين يختار زعيم سياسي أن يستبدل حضوره في الاحتفال الرسمي بالعاصمة مدريد بزيارة سبتة السليبة، مصحوباً بجوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي، فإنه لا يكتفي بتغيير مكان حضوره، وإنما يختار فضاءً سياسياً مشحوناً بالرمزية التاريخية والجغرافية، ويوظفه لتقديم خطاب تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الانتخابية، خصوصاً أن إسبانيا تتجه إلى استحقاق تشريعي مرتقب في 29 نونبر المقبل.
ولعل أكثر ما يستوقف المتابع لتصريحات أباسكال هو إصراره على وصف ما شهدته المدينة خلال أزمة الهجرة في يوليو الماضي بأنه «اجتياح»، وربطه بما اعتبره رعاية مغربية للأحداث وتقصيراً من الحكومة الإسبانية. وهي اتهامات تعكس موقف الحزب السياسي، لكنها تظل، في غياب أدلة مستقلة تثبتها، ادعاءات لا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق محسومة. فالتوصيفات التي يختارها الفاعلون السياسيون ليست مجرد كلمات عابرة؛ إنها تؤثر في تشكيل الرأي العام، وقد تنقل النقاش من معالجة الوقائع إلى صناعة المخاوف وتوسيع دائرة الاتهامات.
والأكثر دلالة أن أباسكال لم يقف عند حدود انتقاد تدبير الحكومة الإسبانية للحدود، بل دعا إلى عسكرة الحدود وتعزيزها بالموارد البشرية والمادية، ودافع عن ترحيل المهاجرين غير النظاميين وعن سياسة أطلق عليها «إعادة الهجرة». وبهذا، تحولت سبتة السليبة إلى منصة لعرض تصور سياسي متشدد في مجال الهجرة، يضع تشديد المراقبة والترحيل في مقدمة الحلول المطروحة.
غير أن تعقيد ملف الهجرة لا يسمح باختزاله في الشعارات، كما أن حماية الحدود، باعتبارها مسؤولية سيادية للدول، تظل خاضعة للقانون وللالتزامات الدولية. وبين مقتضيات الأمن واحترام الحقوق الإنسانية، تبرز الحاجة إلى سياسات واضحة وقابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء بخطاب يرفع سقف الوعود ويحمّل طرفاً واحداً مسؤولية أزمة تتداخل في أسبابها عوامل متعددة.
وفي السياق ذاته، يكتسب حضور جوردان بارديلا إلى جانب أباسكال دلالة أوروبية واضحة. فقد حرص زعيم «فوكس» على تقديم هذه المشاركة باعتبارها رسالة تعاون بين القوى السياسية المتحالفة داخل مجموعة «الوطنيون» في البرلمان الأوروبي، دفاعاً عن سيادة الدول وتشديد مراقبة حدودها. وهو ما يجعل من سبتة السليبة، في هذه المناسبة، فضاءً لتسويق تقارب سياسي يتجاوز إسبانيا وفرنسا، ويستثمر ملفات الهجرة والأمن والهوية في بناء خطاب مشترك.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يؤدي نقل هذه القضايا إلى واجهة الصراع الحزبي إلى بلورة حلول عملية، أم أنه يضاعف حدة الاستقطاب ويجعل المدن الحدودية رهينة للخطابات المتنافسة؟ فالمواطنون، سواء في سبتة السليبة أو في المناطق المحيطة بها، لا يحتاجون إلى مزيد من التوتر بقدر ما يحتاجون إلى سياسات تضمن الاستقرار، وتحمي الحقوق، وتعالج المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالهجرة.
ومن المهم، في هذا الإطار، التوقف عند ردود الفعل السياسية المحلية. فقد اتهم الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني بسبتة حزبي «فوكس» والشعب باستعمال أزمة الهجرة أداةً للصراع السياسي، داعياً إلى توسيع النقاش ليشمل أوضاع الأحياء والخدمات الاجتماعية والاقتصاد المحلي وتدبير ملف القاصرين. ومهما اختلفت التقديرات بشأن هذا الموقف، فإنه يكشف عن وجود سجال داخلي حول حدود التوظيف الحزبي للأزمات، وحول مدى قدرة الخطاب السياسي على تقديم أجوبة تتجاوز المواجهة الكلامية.
أما من المنظور المغربي، فإن سبتة السليبة تظل قضية مرتبطة بالوحدة الترابية للمملكة وبالذاكرة التاريخية والجغرافية للعلاقات بين المغرب وإسبانيا. ولا يمكن أن تتحول هذه القضية إلى مجرد مادة ظرفية في الخطاب الانتخابي الإسباني، أو أن تُختزل في نقاش حول تدبير الهجرة، مهما كانت أهمية هذا الملف بالنسبة إلى السلطات الإسبانية.
إن الموقف الوطني المغربي من استكمال وحدته الترابية يستمد مرجعيته من ثوابت المملكة وحقوقها التاريخية، ولا ينبغي أن يكون رهيناً بتبدل موازين القوى الحزبية في مدريد، أو بتصريحات زعماء يبحثون عن تعزيز حضورهم في المشهد السياسي. وفي الوقت ذاته، فإن صيانة المصالح الوطنية تقتضي قراءة دقيقة للتحولات التي تعرفها الساحة الإسبانية، ومتابعة الخطابات التي تتناول المغرب، مع التمييز بين المواقف الحزبية الظرفية والسياسات الرسمية للدولة الإسبانية.
ذلك أن العلاقات المغربية الإسبانية، بما تشهده من تشابك اقتصادي وأمني وإنساني، تفرض على الطرفين تغليب الحوار المسؤول والتعاون العملي، من دون التفريط في الثوابت الوطنية أو السماح للمزايدات الانتخابية بتحديد اتجاه العلاقات الثنائية. فالجوار الجغرافي حقيقة دائمة، بينما تتغير الحكومات والتحالفات والخطابات بحسب الظروف السياسية.
إن ما جرى في سبتة السليبة يوم 12 أكتوبر يقدم مناسبة للتأمل في كيفية توظيف المدن الحدودية داخل الصراعات السياسية، وفي الطريقة التي يمكن بها لقضايا السيادة والهجرة أن تتحول من ملفات تتطلب المعالجة المؤسساتية إلى أدوات للتعبئة الانتخابية. وهو ما يفرض على الإعلام مسؤولية مضاعفة في نقل التصريحات بدقة، ووضعها في سياقها، وعدم الخلط بين الادعاءات السياسية والوقائع المثبتة.
فسبتة السليبة أكبر من أن تكون مجرد خلفية لخطاب انتخابي، وملف الوحدة الترابية أعمق من أن يُختزل في تصريحات عابرة، والعلاقات بين المغرب وإسبانيا أوسع من أن تتحكم فيها حسابات موسم انتخابي. وبين ثبات المواقف الوطنية وتحولات المشهد السياسي الإسباني، تظل القراءة الرصينة للأحداث، واليقظة تجاه الخطابات الموجهة إلى المغرب، والتمسك بالحوار المسؤول، عناصر أساسية لفهم ما يجري واستشراف ما قد تحمله المرحلة المقبلة.