حامة بوسملال بتطوان .. بوصلة الذاكرة المنسية في ظلال غورغيز ونداء البعث الأخضر
هالة انفو. بقلم:عبد العزيز حيون
تتوارى في أحضان الطبيعة العذراء لمدينة تطوان، بعيدا عن صخب الشوارع وضوضاء العمران المتسارع، جوهرة بيئية وتاريخية تكاد ذاكرة المكان تخبو عنها مع تعاقب الأجيال وتغير ملامح المدينة وضواحيها.
إنها حامة بوسملال، ذلك الملاذ الهادئ الممتد على سفح جبل غورغيز الشامخ، بالقرب من منطقة بوعنان وامتداد جبال بني حزمار الأبية، على بعد مسافة معدودة لا تتجاوز خمسة إلى ستة كيلومترات عن قلب الحمامة البيضاء، حاملة في جعبتها حكايات أجيال منسدلة بين الصخر والماء.
في جغرافيا الذاكرة والمكان
تقع الحامة في الناحية الجنوبية الشرقية لتطوان، وتعد اليوم جزءا من نسيجها الحضري والمجالي بعد أن عبرت مخاض التوسع العمراني، حافظة في طياتها عبق التاريخ وجذور الأرض.
فإذا كان تحول المدينة قد دمجها حديثا في الحدود الحضرية، فإن وجدان التاريخ يربطها أزليا بقبيلة بني حزمار العريقة، حيث كانت أرضا شامخة في وجه الآخر ، وممرا للرعاة، ومقصدا لمن يبحث عن صفاء النفس وخشوع العزلة.
أما اسم الحامة وحده فيروي فصلا دلاليا ناطقا، فكلمة “سملال” في اللسان الأمازيغي تعني التراب الأبيض أو الجير، وهو تطابق مدهش يعكس بصدق طبيعة صخور المنطقة الكلسية البيضاء التي تتلألأ تحت أشعة الشمس، كأن الجبل يرتدي عمامة نقية تليق بقدسية المكان وعذرية الطبيعة.
و حين تقترب من الحامة، يطالعك مشهد جغرافي فريد يزاوج بين قسوة الجبل ورقة الماء، طبيعة جبلية وعرة تتخللها عيون ومنابع مائية رقراقة وشلالات صغيرة كانت إلى عهد قريب تعزف سيمفونية متصلة، تكسر صمت الجبل وتنعش أرواح الزائرين والعابرين.
غير أن الزمن لم يكن رحيما تماما بهذا الأثر البيئي الفريد، فبسبب تقلبات المناخ و محدودية التساقطات المطرية في السنوات الأخيرة وتدخل العامل البشري، تراجع صبيب هذه المياه بشكل ملحوظ، وجفت بعض العيون التي كانت يوما تفور بالحياة.
ورغم هذا التراجع الذي يدمي قلب كل محب لطبيعة تطوان ، لا تزال الحامة تحتفظ ببريقها الخفي ولو نسبيا ، وبقدرتها العجيبة على منح من يقصدها طاقة سلام داخلي لا تقدر بثمن.
إن حامة بوسملال تتجاوز مفهوم كونها نقطة جغرافية على حافة جبل غورغيز، إلى كونها رصيد بيئي وتاريخي وثقافي يستصرخ الضمائر الحية والغيورة على مدينة تطوان ومحيطها.
إنها بحاجة ماسة وعاجلة إلى التفاتة مؤسساتية ومجتمعية جادة لإعادة التأهيل والتثمين، لتتحول من أثر يطاله النسيان إلى مزار سياحي بيئي في غاية الجمال.
و تأهيل هذا الموقع لا يقتصر على تعبيد الطرق أو توفير المرافق الأساسية فحسب، بل هو استثمار حقيقي مستدام يعزز مكانة تطوان على الخريطة السياحية الوطنية، ويسهم في تنويع العرض السياحي نحو السياحة الجبلية والبيئية.
والأهم من كل ذلك، أن رد الاعتبار لحامة بوسملال هو تجسيد عملي لثقافة المحافظة على البيئة، رسالة تربوية نغرس من خلالها في نفوس الناشئة أن حماية ينابيعنا وجبالنا هي في الأساس حماية لهويتنا وروحنا الممتدة في عمق هذه الأرض الطيبة.