صدى الحجارة وبصمة الذاكرة: مدرسة “الراهبات” بتطوان… من ترانيم الكنائس إلى محراب القاضي ابن العربي
هالةانفو. بقلم:عبد العزيز حيون
في قلب مدينة تطوان العتيقة، حيث تعانق جدران شارع محمد الخامس أصداء التاريخ، يقف صرح معماري شامخ يحمل بين أروقته أسرار حقب متعاقبة.
وهو ليس فقط مبنى مدرسي عابر، و إنما هو “لوحة زيتية” حية رسمتها ريشة الزمن، تحولت من ثكنة عسكرية تضج بوقع أقدام الجند، إلى محراب للتراتيل تحت اسم “مدرسة سيدة المعجزات” (El colegio La Milagrosa)، لتستقر أخيرا في حلة وطنية أصيلة كثانوية القاضي ابن العربي.
و حين نتأمل جدران هذه المؤسسة العريقة، التي تطل أيضا غربا على شارع موريتانيا، يتردد في الأفق صدى مراحل تاريخية متباينة شكلت هوية تطوان الكوسموبوليتانية.
ففي فترة الحماية الإسبانية، بدأ هذا الفضاء حياته المعاصرة بثكنة عسكرية تفرض هيبتها على المكان، قبل أن تتبدل ملامح الروح فيه خلال خمسينيات القرن العشرين.
وحينها، تخلت الجدران عن قسوة الحديد لتلبس حلة حانية مع تأسيس مدرسة ” الراهبات” التي احتفلت بذكراها المئوية مؤخرا (1923 – 2023).
لقد كانت تلك المدرسة واحة للتربية الهادئة، حيث اختلطت أنغام الأجراس بنبض المدينة المغربية على حد سواء، تاركة إرثا وجدانيا في ذاكرة من عاصروا تلك الحقبة.
ثانوية القاضي ابن العربي.. بوصلة العلم والأصالة
ومع تبدل رياح التاريخ وإشراق شمس الاستقلال، واصل هذا الصرح التحول والتجدد.
ففي تسعينيات القرن العشرين، انطوت صفحة الأمس لتفتح أخرى أكثر ارتباطا بالهوية والعمق الوطني، حيث رممت الذاكرة وأُطلق على المؤسسة رسميا اسم “ثانوية القاضي ابن العربي”، تبركا باسم العلامة الأندلسي الكبير.
ولم تقتصر رسالة المؤسسة على جدران التعليم الثانوي فحسب، بل تحولت في محطات مضيئة إلى:
منارة أكاديمية عريقة: احتضنت ، بمكان آخر غير بعيد عن باب النوادر وباب التوت، كلية أصول الدين في فترة من الفترات.
حاضنة للأخوة الإنسانية: ضمت الكلية قسما داخليا استقبل الطلاب والشغوفين بالعلم من مختلف المدن المغربية، ومن شتى بقاع القارة الإفريقية والآسيوية، لتصبح جسرا للتواصل الثقافي.
و استضافت لسنوات مقر المجلس العلمي بتطوان، لتظل وفية لروح الأصالة والمعرفة الرصينة.
اليوم، وفي قلب شارع محمد الخامس ، تواصل ثانوية القاضي ابن العربي أداء رسالتها النبيلة كمؤسسة للتعليم الثانوي التأهيلي العمومي (بشعبتيها التعليم الأصيل والعام).
والثانوية بمرافقها وحجراتها المتفردة هي متحف حي ينبض بالحياة، تتناغم فيه هندسة الماضي مع تطلعات المستقبل، لتبقى تطوان دائما مدينة تجمع ولا تفرق، وتصنع من طيات التاريخ مفاتيح للمستقبل.