علم التوقيت في رمضان ..نبض يومي يضبط إيقاع حياة التطوانيين بقلم :عبد العزيز حيون

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تتمتع مدينة تطوان بخصوصية تاريخية وعلمية فريدة عندما يتعلق الأمر بـ “علم التوقيت”، وهو العلم الذي يربط بين حركة الأفلاك والشريعة لتحديد الأوقات والصلوات.
وفي رمضان، يتحول هذا العلم من دروس نظرية في الزوايا والمساجد إلى نبض يومي يضبط إيقاع حياة التطوانيين ،لما لهذا العلم من دور في ضبط “الحِصّة” التطوانية التي تعتمد على تقويم محلي دقيق .
يقوم الموقتون (علماء التوقيت) بحسابات دقيقة تأخذ بعين الاعتبار الموقع الجغرافي للمدينة، وارتفاعها عن سطح البحر، وتأثير الجبال المحيطة بها (جبل درسة وجبل غرغيز) على رؤية الفجر وغروب الشمس .
وبخصوص شهر رمضان يتم تحديد الإمساك بدقة متناهية لضمان صحة الصيام وكذا تحديد الإفطار،الذي لا يعتمد فقط على الحساب، بل على المراقبة البصرية التي يؤكدها الموقتون من صوامع المساجد الكبرى بالمدينة ،خاصة “الجامع الكبير” .
وقد اشتهرت تطوان عبر العصور بكونها مركزا لتخريج “الموقتين”،و هؤلاء ليسوا مجرد موظفين، بل هم علماء فلك شرعيون لهم معلومات دقيقة لا يفك “طلاسيمها” إلا الذين يبرعون في هذا العلم .
ويعتبر “الجامع الكبير”، القلب النابض لعلم التوقيت في المدينة تاريخيا ، حيث كانت تُضبط فيه الساعات الشمسية (المزولة) قديما لتحديد وقت الظهر والعصر بدقة.
وقد انتقل هذا العلم عبر عائلات تطوانية عريقة حافظت على المخطوطات والآلات الفلكية القديمة ،وارتبط (العلم) بوسائل إعلان تقليدية تعمل بتنسيق تام مع الموقت،مع العلم أن صومعة “الجامع الكبير” هي المرجع الأول ،فبمجرد أن يعطي الموقت الإشارة، يُرفع الأذان وتتبعه بقية مساجد المدينة وضواحيها .
و بخصوص هذا العلم ، الذي يُحدد مساره بدقة ونباهة كتاب “علم مواقيت الصلاة بتطوان: المنطلقات العلمية والأبعاد الشرعية ” لأخي الدكتور محمد طارق حيون الصادر سنة 2009 وقدم له الفقيه العلامة عبد الغفور الناصر ، تعتبر مدينة تطوان من الحواضر المغربية القليلة التي حافظت على “أرستقراطية العلم”، حيث لم تكن العلوم الشرعية والفلكية مُجرد معارف عامة في متناول الجميع ، بل كانت إرثا عائليا ينتقل من الآباء إلى الأبناء عبر أجيال.
و لقد ارتبط “علم التوقيت” في تطوان بعائلات بعينها تخصصت في رصد الفلك، وضبط الساعة الشمسية (المزولة) (Sundial)، وتحديد أوائل الشهور الهجرية، ومن أبرز هذه العائلات لوقاش وبلحاج والرهوني وزيطان..،التي تُعد من أعرق العائلات التي نبغ فيها علماء في التوقيت والرياضيات، و لم يقتصر دور هذه العائلات على ممارسة التوقيت في المساجد، بل ألفوا فيه كتبا ومنظومات تعليمية كانت تدرس في الزوايا والمساجد العتيقة بتطوان.
وارتبط اسم هذه العائلات أيضا بعلماء لهم باع طويل في ضبط حصص الصلاة،وقد عرف عنهم الجمع بين الفقه وعلم “الهيئة” (الفلك)، وهو شرط أساسي لـ “المؤقت” الذي كان يُشرف على “الجامع الكبير”،القلب الديني النابض لمدينة تطوان .
وشكل علم التوقيت جزء مهما من تكوين علماء هذه الأسر ، حيث كانوا يشرفون على مراقبة الأهلة وضبط الأوقات الشرعية بناء على الحسابات الفلكية الدقيقة ،ويضمنون انتقال هذا العلم عبر مسارات تقليدية صارمة لضمان الدقة،بحيث لم يكن يُسمح للابن بممارسة التوقيت إلا بعد الحصول على “إجازة” من والده أو شيوخ المدينة، تشهد ببراعته في استخدام “الربع المقنطر” أو الأسطرلاب.
و كانت العائلات التطوانية تحتفظ بـ “كراسات” يدوية تتضمن جداول فلكية (زيج) خاصة بإحداثيات مدينة تطوان، يتم تحديثها جيلا بعد جيل ،وهي المؤتمنة على الساعة الشمسية (الرخامة) الموجودة في “الجامع الكبير ” بتطوان.
و لم يقتصر إرث العائلات ،المدارس القائمة بذاتها ، على الفلك، بل برز أفرادها كعدول وقضاة اتسموا بالأمانة والدقة المتناهية، وهي صفات جعلت منهم الموثقين المعتمدين لعقود طويلة ،تركوا للأجيال اللاحقة مؤلفات ومنظومات في علم الفلك والميقات،تتعلق بحساب مطالع الشهور الهجرية وجداول زمنية وشرح استخدام الآلات الفلكية القديمة.
وبالتالي ،فعلم التوقيت في تطوان ليس مُجرد أرقام وحسابات ، بل هو أمانة شرعية ،فالدقة في تحديد “خيط الفجر” تمنح الصائمين الطمأنينة، وتجعل من المدينة سيمفونية واحدة تسير على إيقاع واحد حيث يفطر الجميع في لحظة واحدة يحددها “الموقت” ببراعة تجمع بين العلم والإيمان.

error: Content is protected !!