الأحدث

بيوت تطوان في رمضان ..نموذج يحتذى به في التعامل الإنساني مع مساعدات المنزل

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تعرف العائلات التطوانية بتمسكها الشديد بالتقاليد والأعراف التي توارثتها عبر الأجيال، وهذا ينعكس بشكل مباشر على التعامل مع المساعدات المنزليات (المْتْعَلْمات باللهجة التطوانية أوالخادمات) خلال شهر رمضان ،ويمزج هذا التعامل بين التقدير الاجتماعي والالتزام الديني والتربية الرفيعة.
ويعتبر التعامل مع المساعدات جزءا عميقا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية لمدينة تطوان، حيث لم تكن العلاقة بين العائلات التطوانية و”المْتْعَلْمات” مجرد علاقة عمل بين طرفين ، بل كانت أقرب إلى نظام اجتماعي تربوي.
وكانت العائلات التطوانية العريقة تعتبر استقبال فتاة صغيرة في بيتها مسؤولية أخلاقية أولا وقبل كل شيئ ،و لم يكن الهدف استغلالها في أشغال البيت بقدر ما كان تعويدها على طبع المدينة وآدابها ،وتعليمها طريقة الكلام و التصرف و استقبال الضيوف، وكيفية التعامل برُقي، و أصول العناية بالبيت على الطريقة التطوانية الصارمة.
و كان من العيب أن تغادر الفتاة “المْتْعَلمة “البيت بعد سنوات وهي “خاوية الوفاض” ،لذلك، كان الحرص كبيرا على تعليمها حرفا يدوية تضمن لها كرامتها لاحقا، ،كالخياطة والأعمال اليدوية ،مثل “الطرز” أو “العقاد” ، وأصول الطبخ و إتقان الحلويات التقليدية والمقبلات المحلية.
و في كثير من الحالات، كانت العائلة المُيسرة التي تعمل لديها الفتاة تتكفل بتجهيزها عند بلوغها سن الزواج ويُقدم لها “الجهاز” كأنها ابنة البيت ،و تساهم “الصنْعَة” التي تعلمتها في رفع قيمتها كعروس “حاذقة” .
ومن العادات الراسخة في البيوت التطوانية العريقة أن المساعدة لا تُعامل كشخص غريب سواء في رمضان أو في غيره من أيام الله ،بل من الواجب أن تتناول إفطارها مع أفراد العائلة على نفس المائدة ، و يُنظر إلى هذا السلوك الجماعي كنوع من “الأجر والثواب” وتجسيدا لروح العائلة الواحدة.
و تحرص العائلات التطوانية على شراء ملابس جديدة للمساعدة بمناسبة رمضان كما بمناسبة العيد “الصغير” (عيد الفطر) إسوة بباقي أفراد الأسرة ، و تماما كما يفعلون الآباء لأبنائهم.
في نهاية الشهر، يُقدم للمساعدة ما يُعرف بـ “الفطرة” أو مبالغ إضافية، بالإضافة إلى “النفقة” (حلويات العيد والفاكهة الجافة) لتأخذها لعائلتها ،إن لم تكن تعيش مع الأسرة بشكل دائم أو أنها قادمة من منطقة بعيدة.
و رغم أن ضغط العمل المطبخي يزداد في رمضان بسبب التحضيرات القبلية والبعدية المعقدة ، إلا أن هناك تقاليد غير مكتوبة تتعلق براحة المساعدة مع اعتماد الأسر التطوانية نظام مرن.
ومن العادات السائدة في التعامل مع المساعدة السماح لها بأخذ قسط من الراحة في فترة الظهيرة والتقليل من مهامها الخارجية ،والتركيز فقط على المطبخ والترتيب.
وقبل هذا وذاك يتم التعامل مع المساعدة بكلمات تقديرية مثل “بْنْتي” (ابنتي) ،وهذا التقدير اللفظي جزء أساسي من الثقافة المحلية التي تأنف الغلظة في التعامل داخل البيوت أو خارج البيوت .
في ليلة القدر ، تحظى المساعدة بمكانة خاصة، حيث تشارك في الاحتفالات المنزلية، وتُعامل ك”ضيفة شرف” تقديرا لمجهودها طوال الشهر الكريم .
و تكريم مساعدات المنازل في تطوان ليس مجرد صَدَقة، بل هو ثقافة متجذرة تعتمد على الكلمة الطيبة والتقدير المعنوي قبل المادي، اعترافا بدور هذه الفئة الأساسي في إنجاح الأجواء الرمضانية داخل كل بيت وتربية الأبناء وتمساك الأسرة وسمعتها .
ويُنظر للبيت التطواني كـ “مدرسة للحياة” ،وهذا النظام الاجتماعي الراقي ساعد في انتقال الحرف التقليدية من جيل إلى جيل ومن طبقة اجتماعية إلى أخرى، مما ساهم في الحفاظ على الهوية العريقة لمدينة تتنفس الأصالة .

error: Content is protected !!