جغرافيا الروح : قراءة في ثنائية الذات والمكان في ديوان “مجازُ القُرطبي” لابن رحمون

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

لن يختلف القراء العاديون و لا النقاد على أن ديوان “مجازُ القرطبي” الصادر حديثا للشاعر عبد الحق بن رحمون هو مغامرة إبداعية في جغرافيا القصيدة التي تمزج بين عبق التاريخ الأندلسي وشجن الحاضر الشفشاوني بنكهة لغوية بديعة منحت المضمون مذاقا إبداعيا و صورا شعرية مبتكرة .
فابن رحمون لا يكتب الشعر فحسب، بل يرمم بالكلمات جسرا روحيا يربط بين ضفتين تفصلهما الجغرافية بعد أن جمعهما التاريخ ، مستحضرا “القرطبي” ليس كشخصية تاريخية فحسب، بل كرمز للعبور والمجاز الذي يسكن الذات الشاعرة.
في ديوانه “مجاز القرطبي”، الصادر حديثا ضمن منشورات “مكتبة السلام الجديدة” ،يُشرع الشاعر عبد الحق بن رحمون نوافذ القصيدة على أفق يزاوج فيه بين الذاكرة في بعدها التاريخي والإنساني والتجربة الذاتية ، فمنذ العتبة الأولى (العنوان)، يضعنا الشاعر أمام ثنائية “المجاز” بما يحمله من انزياح لغوي وعبور مكاني جميل، و”القرطبي” بما يمثله من ثقل حضاري وأندلسي .
ويمكن اعتبار هذا الديوان مرحلة أخرى لمشروع شعري يسعى لاستنطاق الصمت في أزقة شفشاون واستعادة صدى الأندلس المفقود عبر لغة تتسم بالكثافة، وصور تنزاح عن المألوف لترسم ملامح هوية شعرية متفردة ، لامسها عبد الحق بن رحمون في دواوينه السابقة لكنه تعمق فيها في ديوانه الجديد لعله يصل الى مبتغاه الروحي المخفي.
وانهمر شعرا صوت عبد الحق بن رحمون، حاملا معه في ديوانه “مُجاز القُرطبي” عبق التاريخ وأنين الحنين ،ونسج قصائده ،التي حلت بكثافة في هذا الإبداع الشعري ، بخيوط من ضوء وظل، محاولا ،كما يبدو لي كصحافي وليس كناقد أدبي مختص ، القبض على تلك اللحظة الهاربة بين حلم الأندلس وواقع الراهن.
ويدعونا الشاعر في هذا العمل إلى سفرٍ باطني، حيث الكلمات هي المراكب والمجاز هو الدليل، لنكتشف معه أن “القرطبي” ليس غريبا عنا، بل هو ذاك المقيم في تفاصيل أوجاعنا وأفراحنا ومسراتنا وأحزاننا ، والذي بعثه الشاعر حيا في تجربة إبداعية تتنفس برئة القصيدة الحديثة ذات النكهة التاريخية الخاصة .
ويمكن الاعتبار أن ديوان “مجاز القرطبي” للشاعر الشفشاوني محطة فارقة في مساره الإبداعي، حيث تتداخل فيه سيميائية المكان بجماليات الاستعارة بتوازن شعري لا نراه عند المعاصرين .
فبين دفتي هذا الإصدار، نجد أنفسنا أمام لغة مشغولة بعناية صائغ، تنهل من التراث الصوفي والأندلسي لتعيد صياغته برؤية حداثية، ولعل ما يؤكد ذلك “رموز لغة ” الشاعر التي وظفها ليعبر بنا من ضيق العبارة إلى اتساع الرؤية الإنسانية والفكرية التي تعبر عنها الكلمات المختارة تارة بالواضح وتارة بالمرموز.
عناوين قصائد ديوان “مجاز القرطبي” الجميلة والمُعبرة ، هي كذلك ليست مجرد وَسْم، بل هي مفتاح تأويلي ،”المجاز” فيها يتجاوز كونه تقنية بلاغية ليصبح “أسلوب حياة” ورؤية نحو الآخر ونحو العالم الحقيقي والافتراضي ،و تمنح نصوص القصائد هوية جغرافية وروحية، تربط الجغرافية القريبة بالجغرافية البعيدة ، والراهن بالمتخيل، مما يجعل ديوان بن رحمون المُجرب رحلة في “جغرافيا الروح”.
في العناوين الفرعية للديوان ، يبرز مثلث (الأرض، العناق، ابن آوى) كأيقونات دالة ،فالأرض مثلا هي الأصل والمآل والتشبث بالتراب الذي يمنح القصيدة ثباتها ،و العناق يمثل لحظة الذروة العاطفية والروحية و هو محاولة إلغاء المسافة بين “الأنا” و”الآخر” ،و ابن آوى رمزية لافتة قد تشير إلى الحذر والى الفطنة، أو ربما الى الجانب البري والوحشي في النفس البشرية الذي يحاول الشاعر ترويضها عبر اللغة.
والكمعتاد تهيمن على قصائد بن رحمون نبرة “عرفانية” واضحة تتجلى في عناوين ” وميض اللطائف” و “الغوث” وهي استدعاء مباشر للمصطلح الصوفي، حيث “الغوث” هو طلب المدد الغيبي، و”اللطائف” هي الإشارات الرقيقة التي تدركها البصيرة لا البصر ، و”بيدر الله “العنوان الذي يفيض بالسكينة والامتلاء، حيث يتحول “البيدر” (مكان الحصاد) إلى فضاء مقدس للوفرة والرضا الإلهي.
أما في القصائد المعنونة ب”المرايا الجارحة” و”انكسار الصورة” ، فنجد نقدا للذات وللواقع ،و المرآة هنا لا تعكس الجمال، بل تجرح الرائي بحقيقتها العارية ، إنها مواجهة قاسية مع النفس تذكرنا بعبارة ابن عربي “كل ما تراه فهو خيال”، لكنه خيال يؤلم في حالة بن رحمون لأنه يكشف زيف الوجود المادي.
ولغة الكثير من قصائد الديوان مكثفة، تميل إلى الاختزال والرمزية العالية، وهي بعيدة عن المباشرة في أحيان كثيرة ،ولها إيقاع داخلي هادئ يشبه “الترتيل”، يتناغم الى حد ما مع الأجواء الصوفية والعاطفية للديوان، فيما الصورة الشعرية تحمل صورا مركبة تعتمد على التراسل بين الحواس و تتجلى خاصة في قصيدتي “لمعة منار” و”جوانح اللقاء”.
وفي قصائد أخرى يظهر عبد الحق بن رحمون وكأنه في “خلوة شعرية” يدعونا فيها لنكون شهودا على” الاحتراق الروحاني” ،من “ضميني” التي تبدأ بنداء الاستغاثة الوجداني، وصولا إلى “ودكما لا يرتاب” و “جوانح اللقاء”.. ليظل بن رحمون وفيا لأسلوبه الجمالي الذي يزاوج فيه بين رصانة التقليد وجرأة التحديث، وليؤكد أن الشعر الحقيقي هو الذي يظل في منطقة “المجاز” ،تلك المنطقة التي لا تقبض على المعنى بل تتركه يلمع كبرق بعيد.
و المتأمل في تجربة بن رحمون الجديدة يدرك أن “الأندلسية” عنده ليست قناعا شعريا مستعارا، بل هي “هوية وجودية ” ربما استمدها من مدينته شفشاون ونبض جيني ..فإسم الشاعر، “بن رحمون”، يتردد في فضاء التسمية على شاكلة الكبار الذين بصموا التاريخ الأدبي للأندلس ، فهو الحفيد الروحي واللغوي لسلالة ابن زيدون بفروسية مشاعره، و ابن حيون برهافة حسه، و ابن حمدون برصانة عبارته.
هذا الانتساب العائلي في “شجرة النسب الأندلسية” منح القصيدة عند بن رحمون شرعية النطق باسم الذاكرة، فهو حين يكتب، يغمس ريشته في محبرة “شريش” و”إشبيلية” و”قرطبة”، مستعيرا من أجداده تلك القدرة الفائقة على مزج رقة الطبيعة بجلال المأساة.
وفي رأيي ، نجح عبد الحق بن رحمون في ديوان “مجاز القرطبي” أن يثبت أن الأندلس ليست “فردوسا مفقودا” في كتب التاريخ، بل هي “فردوس مستعاد” في رحاب القصيدة ،وهو احتفاء بالنسب العريق، وتأكيد على أن دماء ابن زيدون وابن حيون لا تزال تجري في شرايين الشعر المغربي المعاصر، معطرة بعبق التاريخ ومشرعة على أفق التجديد.
وديوان “مجاز القرطبي” هو رحلة العودة إلى الذات عبر مرآة الأندلس، حيث الكلمة شذى، والشاعر سليل المجد.

error: Content is protected !!