“ازْرع كَوَّن”: ظاهرة السخرية الشعبية في ذاكرة تطوان المنسية

هالة انفو. بقلم : عبد العزيز حيون

في تطوان العتيقة لا يحتاج الناس إلى “تنانين” أو “أبطال خارقين” لصنع ملحمة ما ، بل يكفي أن تذْكر اسم “ازْرع كَوَّن” لتتحول ملامح الوجه التطواني الصارم، فجأة، إلى ابتسامة ساخرة تختزل أكثر من عقود من الزمن من التهكم الساحر.
لقد نجَحت هذه الشخصية “الأسطورية” في اختراق الوُجدان الشعبي للمدينة، لا ببطولات خارقة، بل بـ “قالب” تهكمي فريد وسلوك ساخر حوّل المرارة إلى نكتة، والجدية المفرطة إلى ملهاة يومية.
“ازْرع كَوَّن”،واسمه الحقيقي الهاشمي البخاري الذي عرف بطرافته وحكمته في الآن ذاته ، يتجاوز كونه اسم عابر في ذاكرة التطوانيين الذين عاصروه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ، ليُجَسد فلسفة حية في مواجهة الحياة: فلسفة “الضحك المغلف بمضامين لها راهنيتها” والتهكم الذكي الذي يضرب في الصميم دون أن يترك أثرا سلبيا .
فمن يكون هذا الشبح الساخر ، الذي كان معروفا بهندامه المميز “شبه العسكري” ويتوَكأ على عصا خشبية مزركشة وتُرافقه في جولاته كلبته الأليفة التي أسماها “لايكا” ، ويَسْكُن تفاصيل الحكايات الشعبية في تطوان؟.. وكيف تحول سلوكه التهكمي من مجرد “مُزاح” إلى أسطورة محلية تتوارثها الأجيال لتشريح واقع اجتماعي ؟..
في أزقة المدينة العتيقة لتطوان، وبين جدرانها البيضاء التي تفوح بعطر التاريخ، عاشت شخصيات طبعت الذاكرة الشعبية بهويتها الفريدة وسلوكياتها الخارجة عن المألوف ،ولعل من بين هذه الشخصيات التي لا يزال يتردد صداها في الأحاديث المتوارثة الى اليوم ، تبرُز شخصية “ازْرع كَوَّن”، الذي ولد سنة 1911 وكان يمتهن الحلاقة قبل أن يصبح من أشهر “دراويش” تطوان ،واشتهر بدعائه الدائم: “الله يْآدي مَن أَدانا”.
و إذا بحثت في تاريخ تطوان غير الرسمي ،ذلك التاريخ الذي لا يكتبه المؤرخون في المجلدات الضخمة بل تحفظه صدور ساكنة تطوان العتيقة ، ستلتقي حتما باسم “ازْرع كَوَّن”، كاسم يحمل في نغمته مزيجا من الغرابة والسخرية، تماما كصاحبنا الذي كان يمثل جزءا من “أسطورة شعبية ” مَشَت على أقدامها في دروب تطوان وتركت بصمة خاصة متداولة الى الوقت الراهن .
من أين جاء الاسم اللغز؟
في الثقافة الشعبية المغربية وضمنها الثقافة الشمالية، غالبا ما تطلق الألقاب بناء على موقف، أو لازمة لفظية ، أو سلوك تكرر حتى صار هوية ،وكان لقبا يعكس توليفة من العبارات التي كان يرددها والتي تحمل دلالات محلية تحريفية و إشارات تهكمية ،حتى بات هذا الاسم بحد ذاته علامة للتمرد على النمطية وتوصيل معنى أو معاني له أو لها غايتها .
و كان “ازْرع كَوَّن” من فئة أولائك الذين يصطلح عليهم محليا بـ “المجاذيب” أو “البهاليل”، وهي شخصيات تحظى ب”احترام خاص” أو على الأقل باهتمام في المأثور المغربي ،و كانت سلوكياته تتسم بالعفوية المطلقة و يتحرك في أزقة المدينة العتيقة بحرية تامة، غير آبه بالقيود الاجتماعية أو النظرات المُتربصة .
كما تميزت ردود أفعاله وأقواله بالنقد الساخر وبالجرأة في ذات الوقت .. فإذا وجد غُشّا من تاجر، أو نِفاقا من واحد من أعيان المدينة لم يتردد في فضحه عَلَنا بأسلوب كوميدي لا يستطيع أحد أن يُعاقبه عليه، مُتْرَعا بحَصانة “البركة” أو “الخبل” و”الهبل”.
كان “ازْرع كَوَّن” يعيش على الهامش، يكتفي بالقليل، ويرفض أحيانا عطايا كثيرة إذا شعر أنها تأتي من باب الشفقة أو الاستعلاء ويكتفي ما يحصل عليه من مهنته الأصلية الحِلاقة ،وصمدت أقواله المأثورة في وجه الزمن وتحولت مع الوقت إلى أمثال شعبية يتداولها التطوانيون عندما يُريدون التعبير عن مُفارقات الحياة.
كانت أجوبته مُسجعة أحيانا، وصادمة في أحيان أخرى ،فإذا سُئل عن أحوال الدنيا، أجاب بكلمات تُلخص بؤسها وزَوالها بأسلوب بسيط يفهمه العامي ..
ومَلَك “ازْرع كَوَّن” رادارا خاصا لالتقاط التناقضات ،فيضحك في مواقف الحُزن، ويُري الناس الجد في قمة الهزل.
رحل “ازْرع كَوَّن” جسدا، لكنه ترك خلفه ظلا كبيرا يرفض الزوال و عكس وُجدان المدينة في فترة الستينات والسبعينات على وجه الخصوص ومَكن طبقة من المجتمع من التنفيس عن دواخلها وتضْحَك على مآسيها وتسْمع الحقيقة العارية التي لا يستطيع العقلاء قولها والتعبير عنها.
حتى أن قصة بطل المقال تبقى فصلا ممتعا من كتاب تطوان الشفهي، وهو يذكرنا دائما بأن الحكمة قد تنبت في أكثر الأماكن غير المتوقعة، وأن الأسماء الغريبة غالبا ما تخبئ خلفها أرواحا شديدة النقاء والعُمق والحكمة .
ومن تم لا يمكن اختزال شخصية “ازْرع كَوَّن” كحكاية شعبية عابرة وإنما هي في جوهرها ظاهرة سوسيولوجية ونفسية تعكس عبقرية الوُجدان الشعبي ، وتحولت من خلاله السخرية إلى آلية واعية لمواجهة تحولات العصر، وتفكيك المفارقات اليومية بذكاء لاذع ونقد رصين مُغلف بالدعابة والابتسامة التي تصفَع وتقييم السلوكات باستخدام جرعات لطيفة من السخرية الذكية ،التي تخترق العقول وتدخُل القلوب بلا استئذان.
إن هذه الشخصية الأسطورية، بنسيجها الفريد الذي يمزج بين الواقع والخيال، تظل أثرا واقعيا يروي جزء من تاريخ وتراث تطوان الاجتماعي و مرآة عاكسة لخصوصية “الهوية الشعبية” بمدينة تطوان ، تلك الهوية التي تتقن فن التوازن بين المحافظة الصارمة على التقاليد، والقدرة الفائقة على النقد الذاتي الساخر.
و”ازْرَع كْوْن في الأمان” ،الذي توفي على الأرجح سنة 1977 وخلده فنانون وأدباء تطوانيون مرموقون بشكل عابر في أعمالهم ،مثل الفنان أحمد بن يسف في لوحة خاصة و الكاتب ادريس عفارة والشاعر أحمد الطود والأديبة نادية ولد علي والأكاديمي محمد أنقار والكاتبة وئام العمري ، يُعد رمْزا حيا في الذاكرة الجماعية للمدينة، و يُذَكر الذين عايشوه ومن أتى من بعدهم دائما بأن السخرية لم تكن يوما دليلا على الهشاشة، بل هي أعلى درجات المقاومة الثقافية، وأسلوب حياة أصيل يمنح تطوان مكانتها الاستثنائية في المشهد الثقافي المغربي.

error: Content is protected !!