حديقة “رياض العشاق” بتطوان: سحر الأندلس الممتد خارج الأسوار وصمود الجمال عبر الأجيال
هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون
مدينة تطوان واحدة من أبرز الحواضر المغربية التي احتضنت الإرث الأندلسي وحافظت على تفاصيله الروحية والمعمارية ..وفي قلب هذا الامتداد الحضاري، تبرز حديقة “رياض العشاق” (حديقة مولاي رشيد حاليا)كشاهد حَي على عبقرية الهندسة والجمال وارتباطهما الوثيق بالمجال البيئي وخصوصيات المدينة العمرانية .
شُيدت هذه الحديقة الفريدة خارج الأسوار التاريخية للمدينة العتيقة على مقربة من باب “الرموز”وغير بعيد عن “باب العقلة” سنة 1926 بتصميم من المهندس “خوسيه خيتيريس ليسكورا” وسميت بداية “باركي لا لونيتا ” ثم “باركي كاخيكاس”، لتكون بمثابة متنفس بيئي وحضري صُمم بمواصفات حديثة ومتطورة بمقاييس ذلك الزمان، مستلهمة روح الرياض الأندلسي في أوج ازدهاره.
ورغم تعاقب العقود والقرون، وتبدل الملامح العمرانية من حولها، صمدت هذه الحديقة ببهائها وسحرها، لتظل إلى اليوم أيقونة خضراء تختزل ذاكرة المدينة وتجسد صلة الوصل بين أصالة الماضي وعراقة الحاضر.
وحديقة “رياض العشاق” لها مناقب كثيرة كحديقة تختزل مدينة تطوان منذ عشرينيات القرن الماضي ، ولها مميزات استثنائية تتمثل في العبقرية المعمارية على الطريقة الأندلسية، وهي تعد بحق حديقة كلوحة فنية هندسية متكاملة ،تعتمد في تصميمها على نظام “الرياض” المغلق والمفتوح في آن واحد وهي متفردة في ذلك ، حيث تتناظر الممرات والمساحات الخضراء بشكل هندسي دقيق يُريح العين.
وتتوسط الحديقة نافورات مائية وأحواض مزينة بالزليج التطواني والفاسي بألوانهما الزاهية كانت بها أسماك جميلة بمختلف الألوان ، حيث يمتزج خرير المياه المنسابة بصوت زقزقة العصافير، محاكاة لقصور غرناطة وقرطبة.
ومنذ إنشاء هذه الحديقة خارج أسوار المدينة ، أريد لها أن تكون حديقة فوق المعتاد ، وبُنيت ب”مواصفات حديثة ومتطورة جدا” وفق تقييم العصر ،إذ اشتملت على نظام ري متطور واعتمدت على قنوات هندسية دقيقة لتوزيع المياه على كافة المربعات الخضراء دون هدر، مستفيدة من عيون المياه القريبة.
كما صُممت الممرات بطريقة تسمح للزائر بسماع صوت الماء من أي زاوية، مع الاستمتاع بظلال الأشجار الوارفة التي تقي من شمس الصيف الحارة الزائرين الذين لم يتسن لهم الاستمتاع بالشواطئ القريبة من تطوان وهي كثيرة لعل أقربها شواطئ مرتيل وأزلا وأمسا والمضيق .
كما أن ما يميز الحديقة ،التي تسكن وجدان أهل المدينة منذ عقود ، التنوع النباتي ” المدروس” فلم تُزرع النباتات عشوائيا، بل جُلبت أشجار ونباتات عطرية (كالورد، والياسمين، والليمون، والبرتقال) تلائم جو تطوان المتقلب و لتعطير أجواء الحديقة بشكل طبيعي ودائم ،منها ما هو مجلوب من ضواحي المدينة ومنتزهاتها ،ومنها ما هو مجلوب من مناطق متوسطية قريبة من جغرافية المدينة .
وشكل بناء الحديقة خارج الأسوار التاريخية لتطوان قفزة نوعية في التخطيط العمراني للمدينة آنذاك ..فقد كانت المدن القديمة تنكفئ داخل أسوارها، لكن “رياض العشاق” مثّل بداية الانفتاح نحو الفضاءات الخارجية الرحبة ،لتصبح الحديقة في وقت وجيز المتنفس الرئيسي والملجأ النقي والبهي لساكنة تطوان، هربا من “صخب” الأزقة الضيقة للمدينة العتيقة، ومكانا تلتقي فيه العائلات والأدباء والعشاق للاستمتاع بالطبيعة العذراء .
ولعل المنقبة الكبرى لهذه الحديقة الغناء ذات الأزهار المبهجة والأشجار الكثيفة هي قدرتها العجيبة على الصمود ، فرغم التوسع العمراني السريع وحداثة الحياة المعاصرة وعدد زوارها اليومي وتعرضها للحظات صعبة أدخلتها في غياهيب الحياة ، حافظت “رياض العشاق” على هويتها الأصلية وفرضت احترامها على الجميع حتى على الذين لا يستهويهم جمال الطبيعة وألفوا العشوائية.
وقد خضعت الحديقة لعمليات ترميم وتأهيل ذكية حافظت على طابعها الأندلسي القديم ولم تشوه ملامحها الى حد ما ، مما جعلها تحافظ على رونقها وبهائها وتستقبل أجيالا وراء أجيال عشقتها بذات السحر والجاذبية.
و تظل حديقة “رياض العشاق” بتطوان أكثر من مجرد فضاء مُشَجَر ،تفصل بين أحياء المدينة العتيقة والأحياء الأخرى المستحدثة ، إنها قصيدة شعرية أندلسية كتبت بماء ونبات وزليج .
و إن صمود هذا المتنفس التاريخي بجماله الأخاذ وتصميمه العبقري حتى يومنا هذا، هو رسالة صامتة تؤكد أن الإبداع الإنساني القائم على الانسجام مع الطبيعة لا يموت.
وستبقى “رياض العشاق” رئة تطوان النابضة، ومزارا يفوح بعبق التاريخ، و يُثبت للجميع أن الجمال الحقيقي المحصن بالحب والعناية لا ينال منه الزمان، بل يزيده عتاقة وفخامة.