بعد 18 يوما من افتتاحه… قسم المستعجلات بالمستشفى الجهوي الجديد بتطوان بدون ممرضين

هالة أنفو

تعرف مصلحة المستعجلات بالمستشفى الجهوي للتخصصات بتطوان، اليوم الثلاثاء، وضعا مهنيا مقلقا، بعد أن وجدت نفسها أمام حالة ارتباك حادة مرتبطة بغياب الممرضين الرسميين الكافيين، وذلك بعد ثمانية عشرة يوما فقط من إعطاء الانطلاقة الفعلية لخدمات هذه المنشأة الصحية الجديدة، التي قدمت للرأي العام المحلي باعتبارها أحد أهم المشاريع المنتظرة لتحسين العرض الصحي بالمدينة.

وبحسب معطيات مهنية من داخل المؤسسة، فإن الفرق الخمس المكلفة بنظام الحراسة بالمستعجلات اضطرت إلى الاشتغال بنوبات متعاقبة ومتتالية، تجاوزت، وفق المصادر ذاتها، الحدود العادية والقانونية المرتبطة بزمن العمل والراحة، في مرفق صحي بالغ الحساسية يتطلب يقظة مستمرة وتدخلا سريعا ودقيقا في التعامل مع الحالات الاستعجالية.

وتفيد المعطيات نفسها بأن إدارة المستشفى عمدت إلى تكليف ثلاثة ممرضين تابعين لمصلحة المستعجلات بمهام نقل وتحويل المرضى، رغم أن مذكرات تعيينهم الأصلية مرتبطة بالعمل داخل القسم ذاته، وهو ما زاد من حدة الخصاص داخل المصلحة، وعمق الضغط على باقي الأطر الصحية المكلفة بضمان استمرارية الخدمات الاستعجالية.

وفي محاولة لتجاوز هذا الفراغ، جرى تكوين فريق المداومة، نهار اليوم، من ممرضتين غير مرسمتين وغير موظفتين ضمن الأطر النظامية للمؤسسة، تشتغلان في إطار شراكة بين وزارة الصحة وإحدى الجمعيات المحلية والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك”. غير أن هذه الخطوة أثارت، وفق مصادر مهنية، أكثر من علامة استفهام، بالنظر إلى خصوصية قسم المستعجلات وحساسية المهام المنوطة به، وما تتطلبه من تأطير واضح وجاهزية مهنية عالية ومسؤوليات إدارية محددة.

ويؤكد مهنيو الصحة بالمستشفى أنهم يخلون مسؤوليتهم من أي ارتباك قد تعرفه الخدمات نتيجة الخصاص الكبير في الموارد البشرية، معتبرين أن العاملين بمصلحة المستعجلات، كما باقي الأقسام، يشتغلون في ظروف مهنية صعبة تتسم بارتفاع ضغط العمل وتزايد مؤشرات الإرهاق والاحتراق المهني، مقابل توسع مستمر في عدد المرضى والمرتفقين والخدمات المقدمة.

وتأتي هذه التطورات في سياق نقل عدد من الخدمات من المستشفى الإقليمي سانية الرمل إلى المستشفى الجهوي للتخصصات، حيث يعرف المستشفى الجديد تزايدا متواصلا في الطلب على خدماته، خاصة مع حلول فصل الصيف وارتفاع عدد الوافدين على مدينة تطوان ونواحيها. وهو ما يجعل هذه المؤسسة الصحية الجديدة أمام اختبار حقيقي لا يتعلق فقط بحداثة البناية أو جودة التجهيزات الطبية، بل أساسا بمدى توفرها على العنصر البشري الكافي والمؤهل لتشغيل هذه الإمكانيات وتحويلها إلى خدمة صحية فعلية وناجعة.

ويرى متتبعون للشأن الصحي المحلي أن الإشكال المطروح اليوم لا يكمن في أهمية المشروع الاستشفائي في حد ذاته، ولا في حاجة مدينة تطوان إلى مؤسسة صحية حديثة، بل في طريقة تنزيل هذا الورش على أرض الواقع، وما إذا كان افتتاحه قد تم وفق تصور متكامل يأخذ بعين الاعتبار حاجيات التشغيل اليومية، وحجم الموارد البشرية المطلوبة، وطبيعة الضغط المتوقع على مختلف المصالح، وفي مقدمتها مصلحة المستعجلات.

فالانتقال إلى مستشفى جديد، مزود بقاعات وتجهيزات حديثة وتكنولوجيا طبية متقدمة، لا يمكن أن يحقق أهدافه ما لم يقترن بتدعيم فعلي للأطر الصحية، من أطباء وممرضين وتقنيين ومساعدين في العلاج، وتوفير شروط العمل الأساسية التي تضمن كرامة المهنيين وسلامة المرضى وجودة الخدمات. ذلك أن البنايات، مهما بلغت جودتها، تظل غير كافية إذا لم يكن العامل البشري في قلب التخطيط والتدبير.

وتطرح هذه الوضعية أسئلة ملحة على الجهات المسؤولة عن تدبير القطاع الصحي جهويا ومحليا، بخصوص الإجراءات العاجلة التي سيتم اتخاذها لتدارك الخصاص، وإعادة تنظيم الحراسة والمداومة، وضمان استقرار العمل داخل مصلحة المستعجلات، بما يحفظ حقوق الأطر الصحية ويضمن للمواطنين خدمة عمومية آمنة ومنتظمة.

ويبقى الرهان اليوم هو الانتقال من منطق الافتتاح الرمزي للمؤسسات الصحية إلى منطق التشغيل الفعلي والمستدام، القائم على التخطيط الواقعي، وتوفير الموارد البشرية الكافية، والاستماع إلى تنبيهات المهنيين، حتى لا يتحول مشروع صحي انتظره سكان تطوان طويلا إلى منشأة عصرية بجدران وتجهيزات متقدمة، لكنها مثقلة بإكراهات تدبيرية وبشرية تهدد جودة الخدمة وثقة المواطن في المرفق الصحي العمومي.

error: Content is protected !!