“سوق الحوت القديم” بتطوان: من قلب النبض الاقتصادي إلى واجهة السياحة التراثية
هالة انفو. بقلم : عبد العزيز حيون
فضاء “سوق الحوت القديم” بالمدينة العتيقة لتطوان، المصنفة تراثا عالميا من طرف منظمة اليونسكو، لوحة عمرانية ضمن متحف حي يختزل قرونا من التلاقح الثقافي الأندلسي المغربي وقرونا من العيش المشترك والتلاقح والتعايش ،الذي أفرز ثقافة ونمط عيش لا مثيل له في أية دولة أخرى .
وفي عمق هذا النسيج العمراني الفريد، تبرز ساحة “سوق الحوت القديم” التي كانت على امتداد مئات السنين فضاء تجاريا تاريخيا لعرض المنتوجات الاعتيادية ، قبل أن تتحول كمنصة سياحية وثقافية رائدة تساهم في صون الهوية الوطنية والتعريف بالموروث المادي واللامادي للمملكة.
إن هذا السوق، الذي يقع عند تقاطع الشرايين الحيوية للمدينة العتيقة في اتجاه باب الرواح وباب العقلة وباب السعيدة ( باب الصعيدة عند البعض ) وباب المقابر ويطل عليه برج سيدي المنظري برمزيته الخاصة ، تحول بمرور الزمن من مركز لبيع خيرات البحر إلى واجهة نابضة تختزل أصالة الحرف التقليدية المحلية والجبلية ، وترسم لوحة فنية تجذب الزوار من مختلف بقاع العالم.
و شهد “سوق الحوت القديم” تحولا وظيفيا ذكيا واكب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية للمدينة. فبعد أن كان الفضاء مخصصا ،كما يبدو من اسمه ، لعرض الأسماك الطرية القادمة من السواحل المجاورة والمواد الاستهلاكية الأخرى، أضحى مع مرور السنوات مركزا تجاريا مفتوحا للمنتوجات التقليدية المغربية.
وتأتي في طليعة المعروضات “المناديل الجبلية” (تسمى “أتزار” في مناطق ريفية ،وهو لباس تقليدي ترتديه النساء الجبليات بلفه حول النصف السفلي من الجسم من الخصر إلى القدمين كرمز للحشمة والوقار) ،و “الكُرزيات” ( وهي حزام تقليدي مميز تتزين به نساء تطوان وقبائل جبالة على الخصوص ، ويعتبر جزءا أصيلا من اللباس المحلي بشمال المغرب )و”السْباني” (مناديل حريرية أو من أثواب أخرى بمختلف أشكالها وألوانها توضع على الرأس أو على الكتف) ، و”الشاشيات” (قبعة قشية واسعة مزينة بشرابات ملونة تحمي من الشمس وتحافظ على نصاعة بشرة نساء المنطقة) ، ..
وفي العادة كانت تلتف حول الساحة النسوة القادمات من المداشر المحيطة بالمدينة ليعرضن هذا الزي التراثي العريق أو يقمن بشراء ما هم في حاجة إليه من ملبس .. وهذا التحول ضمن للسوق استمرارية اقتصادية قائمة على “اقتصاد التراث”، مما ساهم في دعم الفئات الحرفية القروية خاصة والحضرية على حد سواء.
و تتجاوز القيمة الاعتبارية الحالية ل”سوق الحوت القديم “أبعاده التجارية الصرفة ليطلع بدور سياحي محوري ، فهو يمثل محطة إلزامية في المسارات السياحية المعتمدة داخل تطوان ، ويتيح السوق للسياح الأجانب والمغاربة على حد سواء فرصة فريدة للاحتكاك المباشر بالثقافة الحية للمنطقة، ومعاينة طقوس البيع والشراء المتوارثة، وسماع اللهجة التطوانية بالنكهة المحلية والجبلية الأصيلة.
وإن الامتزاج البصري بين ألوان المنسوجات التقليدية وألوان الفضاءات والجدران العتيقة المجاورة للسوق ، يمنح المكان جاذبية فوتوغرافية وأنثروبولوجية وتميز بصري تجعل منه أداة حقيقية للتعريف بالثقافة الوطنية وإبراز التنوع الثقافي المغربي بمختلف روافده .
و تكتسب ساحة “سوق الحوت القديم ” زخمها الأكبر من موقعها الاستراتيجي، إذ تحيط بها وتتفرع عنها معالم دينية واقتصادية ومائية تشكل النواة الصلبة لتطوان التاريخية:
مسجد القصبة: أقدم مسجد قائم بتطوان بعد أن هدمت مساجد سابقة له بسبب الهجمات العدوانية على المدينة و المعلمة الدينية والتعليمية والأثرية الأبرز التي ارتبطت ببدايات إعادة بناء مدينة تطوان على يد القائد سيدي علي المنظري، مما يضفي على محيط السوق هيبة روحية وتاريخية.
“زنقة الطرافين”: الشريان التجاري المسقوف بالخشب، والتي يمتد كشاهد حقيقي على مهارة الصنّاع التقليديين قبل أن يختص في صياغة الذهب وبيعه .
“الساقية الفوقية”: الحي العريق المرتبط تاريخيا بنظام توزيع المياه التقليدي الفريد (“السكوندو”)، والذي كان يضم حوانيت العطارة والسلع التقليدية المتنوعة قبل أن يتحول عرضه الى أمور لا تشرف الفضاء وتنقص من قيمته.
“ساحة الغرسة الكبيرة”: الفضاء الرحب والمفتوح القريب، الذي كان يمثل تاريخيا سوقا للأقمشة والمنسوجات الرفيعة، ليشكل مع سوق الحوت تكاملا عمرانيا يبرز هندسة الأسواق التخصصية في المدن العتيقة.
وفي سنة 2018 ،وفي إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تم تجهيز وتمكين بائعات الزي الجبلي ب”سوق الحوت القديم” بعربات متميزة لعرض منتجاتهن في حلة جميلة و أنيقة مصحوبة بواقيات شمسية ،هي عبارة عن “شاشية” جبلية ترمز لتراث مدينة تطوان الحضارية .
وسعت هذه المبادرة القيمة الى تثمين المنتوج المحلي التراثي لمدينة تطوان وبالأساس الى تنظيم باعة الفضاء والإسهام في التنشيط السياحي و المساهمة في تحسين مستوى العيش بهذا النسيج العمراني الذي يميز مدينة تطوان و إدماج بائعات السوق ضمن النسيج الاقتصادي العام للمدينة خاصة منه المرتبط بالصناعة التقليدية والتسويق السياحي ،وتثمين المنتوج المحلي، خاصة بعد مبادرة فتح سوقين نموذجيين وسط المدينة العتيقة خصصا لفائدة قرويات المناطقة المجاورة لعرض منتجاتهن الفلاحية والمجالية.
ويظل “سوق الحوت القديم بتطوان” نموذجا متميزا لكيفية تحويل الفضاءات التاريخية إلى رافعة للتنمية المستدامة ووسيلة لانخراط الأسواق في محيطها الاجتماعي والاقتصادي والعمراني.
فمن خلال صموده وتطوره ليصبح مركزا لعرض الإرث الجبلي والتطواني المحلي، نجح هذا السوق في الموازنة بين الحفاظ على وظيفته الاقتصادية وبين أداء رسالته السياحية والثقافية.
وتثمين هذا الفضاء، إلى جانب المعالم المحيطة به كمسجد القصبة والغرسة الكبيرة والساقية الفوقية والسوق الفوقي ، يعد استثمارا في الذاكرة الجماعية للمملكة المغربية بشكل عام ، وضمانا لاستمرار المدينة العتيقة لتطوان كوجهة سياحية وطنية ودولية تشع بأصالة الثقافة المغربية.