اغتيال الأمل

هالة انفو. ح.خ

سعاد، اسم مستعار لتلميذة تعيش في قرية نائية بجهة الشمال. تنتمي إلى أسرة تعاني الفقر والعزلة، وتعتمد على مداخيل موسمية من أنشطة فلاحية معاشية.
حصلت سعاد على شهادة البكالوريا بميزة «حسن جدًا»، بعد مسار طويل من المعاناة مع بُعد المدرسة عن مكان سكنها، واضطرار والدها إلى مرافقتها كل صباح، ومواجهة قسوة برد الشتاء وحرارة الصيف. كانت سعاد تتمنى أن تصبح طبيبة، لأنها عاينت كيف توفيت والدتها إثر مخاض عسير، في ظل غياب طبيبة بالمركز الصحي القروي، وصعوبة وصول سيارة الإسعاف بسبب انقطاع الطريق نتيجة الفيضانات.
سافرت سعاد إلى الجامعة، حيث أُقيمت مباراة اختيار الطلبة للالتحاق بكليات الطب والصيدلة وطب الأسنان. وصلت إلى الجامعة عند الفجر، واستسلمت للنوم بجانبها، بينما ظل والدها يحرسها في انتظار موعد اجتياز المباراة.
دق ناقوس الدخول، وبدأت سعاد اجتياز المباراة. لكنها تفاجأت بانتشار مظاهر الغش عن يمينها وشمالها، واستعمال الهواتف الذكية، وتداول التسريبات، وتساهل في الحراسة، في مشهد بدا لها وكأنه نحر لمبدأ تكافؤ الفرص.
فزعت سعاد من هول الموقف، وراحت تستعيد شريط معاناتها الطويلة مع الدراسة في ظروف قاسية. رأت أمام عينيها حلمها في أن تصبح طبيبة، وأن ترد ولو قليلًا من جميل والدها، الذي كان يحاول جاهدًا دعمها وتوفير ما ينقصها، ولو على حساب مصاريف الأسرة الضرورية.
لم يمضِ وقت طويل حتى أُعلنت النتائج، لكنها لم تحمل لسعاد حلمها المنتظر. فقد اعتمدت على نفسها، ولم تكن لها ركيزة أو معارف تدعمها في طريق النجاح في الامتحانات.
حاول والد سعاد أن يهدئ من روعها، وخاطبها قائلًا إن الخير فيما اختاره الله. ومسح دموعها بيقين الأب الذي يؤمن بأن ما كُتب لها سيكون خيرًا لها، وأنها لو كانت قد نجحت في اختيار الطب لكان ذلك نصيبها.
لكن سعاد لم تستوعب الأمر. فقد اصطدمت، في نظرها، بأولى تجاربها مع الشفافية وتكافؤ الفرص، فانهار أمامها شيء جميل كانت تحلم بتحقيقه في وطنها، وكانت تتمنى من خلاله مساعدة أسرتها الصغيرة وانتشالها من وحل الفقر والحاجة.
ظلت تبكي في صمت، فيما كان والدها يبكي من أعماق قلبه، بصمت أشد ألمًا.
ألا يكفيكم، يا سادة، ما تعانيه الأقاليم المنسية من غياب العدالة المجالية، والبطالة، والعزلة، حتى تُضاف إلى ذلك جريمة المساس بتكافؤ الفرص؟
من يكسر خاطر آلاف الطلبة، ويغتال آمالهم، عليه أن يدرك أن أثر الظلم لا ينتهي بإعلان النتائج، وأن دعوة المظلوم لا حجاب بينها وبين الله.
الله يهديكم، يا صُنّاع تراكمات الاحتقان وفقدان الثقة في المؤسسات. فلا شيء أصعب على السلم الاجتماعي من فقدان الأمل، حين يصبح الشباب لا يرون أمامهم إلا السواد، ولا يجدون في المستقبل ما يدفعهم إلى التمسك بالحلم والعمل والاجتهاد.
ومع ذلك، نقول لشبابنا: إن درب محاربة الفساد طويل، وإن بناء الوطن ليس كالهدم، وإن من يبني ويجتهد ويصبر ليس كمن يعبث بمستقبل الآخرين. والله يراقب الجميع، وعدالته مطلقة، فإذا غابت أو غُيّبت عدالة الأرض، فإن عدالة السماء لا تغيب.

error: Content is protected !!