الأحدث

من تنبؤات الارصاد الى مبادرات العطاء:رحلة عبد السلام الشعشوع الاعلامية والانسانية

هالة انفو. بقلم : عبد العزيز حيون

تزخر مدينة تطوان بشخصيات فذة جمعت بين العلم والإعلام والالتزام المدني والسياسي والعطاء الأدبي ، لازال الكثير منها يضع بصمات جليلة في الوجدان المغربي عامة .
ويأتي المهندس عبد السلام الشعشوع ضمن هذه الكوكبة الاستثنائية، فهو مهندس الأرصاد الجوية الذي دخل بيوت المغاربة لزمن قارب أربعة عقود ، والفاعل الجمعوي الذي سخر جهده للتنمية المحلية وإبراز التراث والعمل الخيري، والأب الذي غرس شغف الموسيقى الأندلسية الأصيلة في أبنائه ليواصلوا مسيرة حفظ التراث وتوثيقه.
وتلقى عبد السلام الشعشوع تكوينه العلمي العالي في العاصمة الإسبانية مدريد، حيث تخصص في الأرصاد الجوية ، ومكّنه هذا التكوين الهندسي المتين من امتلاك أدوات تحليلية دقيقة وفهم عميق للتغيرات المناخية والتقلبات الجوية، مما أهّله لشغل مناصب مسؤولية داخل مديرية الأرصاد الجوية الوطنية ليقدم بكفاءة واقتدار على قناة التلفزة المغربية النشرة الجوية التي استأثرت باهتمام مشاهدي القناة .
ارتبط اسم عبد السلام الشعشوع بشاشة التلفزة الوطنية على مدى 39 عاما، وهي مدة قياسية جعلت منه وجها مألوفا وعزيزا لدى الأسر المغربية وحتى على مسؤولين نافذين بهرم الدولة المغربية في مقدمتهم المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله روحه .
و تميز الشعشوع بلكنته التطوانية الأصيلة وبتكوينه العميق في إسبانيا وفرنسا والصين ومصر، مما أضفى على النشرة الجوية طابعا خاصا ودافئا قَرَّبَه من قلوب المتتبعين.. و جعل مادته الإخبارية فقرة أساسية لمشاهدي القناة الذين أعجبوا بطريقة تقديمه وشرحه الفياض أثار مختلف مستويات المتتبعين ..
كما أبدع في تبسيط المفاهيم العلمية والجوية المعقدة لتصل بسهولة إلى مختلف أطياف المجتمع دون المساس بالدقة العلمية.
وبنى سي عبد السلام الشعشوع عبر عقود طويلة علاقة ثقة متينة مع الجمهور، حتى أصبحت النشرة بصوته وطريقته الخاصة طقسا يوميا ينتظره الجميع،لتواصله العفوي وأسلوبه السلس وحرصه على تبسيط المفاهيم بعيدا عن الجفاف الأكاديمي .
واهتماماته الفنية المتعددة والمتنوعة ومزاولته للمسرح في ريعان شبابه وثقافته الممتدة واحتكاكه بثقافات أخرى مبدعة ،جعلت منه مقدما بارعا يدرك قيمة الإيقاع الشفهي وشدة انتباه الجمهور ،ليصبح موعد النشرة جزءا لا يتجزأ من الطقوس اليومية داخل البيت المغربي .
وأثبت الإعلامي عبد السلام الشعشوع ،الذي تابع دراسته الإبتدائية بمدرسة مولاي الحسن ثم بمدرسة الأميرة للا عائشة والثانوية بثانوية القاضي عياض والعليا بالعاصمة الإسبانية مدريد و برز نبوغه في الأداء المسرحي منذ كان صغيرا، أن تقديم المعرفة ،مهما كانت تقنية ،حين يمتزج بالشغف واللمسة الإنسانية يتحول الى فن أثير يعيش في ذاكرة الناس لفترات طويلة .
و لم تتوقف عطاءات عبد السلام الشعشوع عند حدود الشاشة أو العمل الإداري، بل امتدت لتلامس الميدان الاجتماعي والتنموي بمسقط رأسه تطوان والجهة الشمالية عموما.
فقد شارك في تأسيس وتدبير جمعيات مدنية مرجعية تعنى بالمحافظة على التراث الثقافي والإنساني لمدينة تطوان ودعم المشاريع المحلية ذات البعد الاجتماعي والتضامني والفكري .
كما له حاليا بصمة خاصة في العمل الخيري والاجتماعي و يحرص باجتهاد كبير على تقديم الدعم لفئات معوزة ومسنة ، وتنظيم المبادرات التضامنية ، مؤكدا على مفهوم المواطنة الفاعلة والمستدامة.
و لم يكن شغف سي عبد السلام الشعشوع بالموسيقى الأندلسية مجرد هواية عابرة، بل كان جزءا من هويته التطوانية العريقة التي حرص على اكتسابها ولو معنويا من جده سيدي أحمد الشعشوع، الذي كان من أبرز العازفين على العود قبل أن ينقل هذا النوع من النبوغ الموسيقي الى نجليه المهدي والأمين.
ويكرس اهتمام سلالة الشعشوع بالموسيقي الأندلسية وبالتراث المغربي الأصيل والمتفرد ب”الاستمرارية الجيلية “،فقد نشأ الأبناء في بيئة تشبعت بالنغم الأندلسي والآلة المغربية الأصيلة، مما فجر لديهما طاقات إبداعية في هذا المجال.
ولم يكتفِ الأبناء بأداء التقاسيم الأندلسية بإتقان عال، بل امتدت جهودهم إلى التوثيق الأكاديمي والتكوين والكتابة في تاريخ هذا الفن العريق وتراثه المادي واللامادي، مساهمة منهما في حماية هذا التراث المتفرد من الاندثار وصونا للذاكرة الموسيقية المغربية.
ويقدم عبد السلام الشعشوع ، ابن حي سانية الرمل العريق ، نموذجا مشرقا للمثقف والإعلامي والمواطن الملتزم، فقد استطاع عبر المسيرة المهنية الناجحة والحافلة أن يدمج بين العلم والإعلام، والعمل الإنساني التنموي، وحفظ الهوية الوطنية.
إن أثر هذه القامة الإعلامية والجمعوية والعلمية يتجاوز توقع حالة الطقس ليلامس الطقس الإنساني بجمال عطائه ووفائه المهني وانخراطه النوعي في العمل الاجتماعي.
وليبقى دائما اسم سي عبد السلام الشعشوع مقترنا بالتفاني في خدمة المجتمع ونكران الذات وصون التراث الأصيل عبر الأجيال.

error: Content is protected !!