المهدي الزواق: رحلة الإنساني والمتعدد بين حفريات الماضي وسحر الفن وشغف الرياضة

هالةانفو. بقلم :عبد العزيز حيون

يختزن تاريخ تطوان المعاصر أسماء مثيرة للاهتمام لأنها زاوجت بنجاح وإتقان بين الدقة الأكاديمية والعلم الواسع والعمل الميداني والتميز الرياضي و الخلق النبيل وروح المبادرة والتواضع .
و من بين هذه القامات التي تعطي صورة طيبة عن المنطقة يبرز إسم الدكتور المهدي الزواق، مدير المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان حاليا ، بوصفه شخصية متفردة تتعدد أبعادها بين خبير متمرس في علم الآثار والتراث، وصانع دقيق للمجسمات والجماجم البشرية، وأكاديمي رسخ الفن التاسع، ورياضي عاشق للكرة الطائرة ومؤسس لفريقها في المدينة.
يمتلك المهدي الزواق ،المولود بتطوان سنة 1959 على مقربة من زاوية سيدي بناصر الدرعي ، مسارا علميا رزينا في مجال الحفريات وعلم الآثار (الأركيولوجيا)، حيث يتجاوز دوره حدود التنقيب والدراسة النظرية إلى الجانب التطبيقي الدقيق والرصين ، وهو الذي يُعد من الخبراء المغاربة المرجعيين في صناعة المجسمات البشرية وإعادة تشكيل الجماجم الإنسانية بطرق علمية وفنية حثيثة ،وهي تقنية تجمع بين التشريح والأركيولوجيا والفن لتجسيد ملامح الإنسان القديم وإعادة الحياة للذاكرة الأنثروبولوجية.
وبما أن هذا العمل الميداني يساهم بشكل مباشر في صون التراث الإنساني وتسهيل تقريبه للمؤسسات الأكاديمية والمتاحف للجمهور العام فقد أنجز المهدي الزواق مجسمات لجماجم إنسانية تعرض بمتاحف عالمية ، منها على سبيل المثال وليس الحصر متحف طوكيو المتخصص الشهير عالميا .
في إدارته للمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، التي تلت أسماء بارزة عالميا كماريانو بيرتوتشي و محمد السرغيني وعبد الكريم الوزاني ،يعمل المهدي الزواق على تطوير المناهج التأطيرية والأكاديمية للمحافظة على تاريخ مؤسسة ليست كباقي المؤسسات ، وكان ضمن الذين أرسوا قواعد التكوين الأكاديمي المتخصص لفن الرسوم المصورة والأشرطة المرسومة (Bande Dessinée) بالمغرب.
ومكن هذا التصور ، الذي تم بمبادرة من مدرسين وخبراء أكفاء آخرين ، من جعل تطوان قطبا إقليميا ودوليا لهذا الفن التاسع، ومشتلا لتخريج الطاقات الشابة المتمكنة في هذا المجال الواعد.
وما يعكس مساره العلمي الناجح أيضا ، تحمله مسؤوليات أكاديمية وعلمية في غاية الأهمية ،لعل أبرزها مسؤوليات من قبيل منسق البحث الأثري المغربي الإسباني للخريطة الأثرية لشمال المغرب و مدرس بجامعات مغربية وأجنبية ،شعيب الدكالي وسيدي محمد بن عبد الله وقادس وعبد المالك السعدي والمعهد الوطني للآثار وإيكس أون بروفانس ،ومشارك ميداني في حفريات أثرية في المغرب كما في فرنسا واسبانيا وسويسرا والجزائر ،ومحافظ المتحف الأثري بتطوان ومدير جهوي لوزارة الثقافة للجهة الشمالية من المملكة .
وعلى مستوى التخطيط الثقافي، يُعتبر المهدي الزواق من أبرز صناع خارطة طريق احتفالية “تطوان عاصمة متوسطية للثقافة” 2026 تلائم تاريخ تطوان العريق الذي يمزج بين التراث الأندلسي والمغربي والإسباني و تصنيف المدينة العتيقة ضمن تراث اليونسكو العالمي وكون الحمامة البيضاء تشكل نموذجا حيا للتعايش الحضاري والتفاعل الثقافي المتوسطي ولها دور دبلوماسي ثقافي مهم كقوة ناعمة لتقريب الشعوب..ليوجه بذلك المهدي الزواق خبرته لخدمة هوية المدينة والإشعاع الحضاري للمغرب كدولة متوسطية متعددة الثقافات .
وتتكامل الشخصية الثقافية والعلمية والأكاديمية للمهدي الزواق ،الذي درس الابتدائي بمدرستي محمد الخامس ومولاي اسماعيل والثانوي بثانوية الشريف الادريسي وله إجازة في الجيولوجيا وشهادة الدراسات المعمقة من جامعة باريس 1985 و دكتوراه في الانثروبولوجيا الفيزيائية من معهد “دراسات الانسان القديم”، مع أفق رياضي متكامل أيضا، حيث يُعرف بعشقه العميق للكرة الطائرة وممارستها.
ولم يقف هذا الشغف عند حدود الممارسة الشخصية ، بل تجسد في قيادته لتأسيس فريق “المغرب أثليتيك تطوان” للكرة الطائرة، مُسهما في إثراء المشهد الرياضي المحلي وتوفير منصة للشباب للترقي الرياضي، ومقدما نموذجا للمثقف الأكاديمي الشامل الذي يربط متانة الفكر بالحيوية البدنية.
إن مسيرة المهدي الزواق تعكس نموذجا يندر تكراره للمثقف والأكاديمي المتكامل، إذ يجمع بين صرامة الحفريات الأركيولوجية وجماليات دقة المجسمات البشرية، وبين التطوير الأكاديمي للفنون الجميلة والعمل الرياضي والميداني.
وبذلك يظل ابن تطوان ركنا من الأركان الأساسية التي تُسهم بفاعلية في صياغة المشهد الثقافي والتراثي والرياضي للمدينة والوطن وتقدم القدوات الصالحة والمعبرة للأجيال الصاعدة .

error: Content is protected !!