مسجد للا فريجة بالسويقة بتطوان وقصة المرأة المغربية المكافحة و العارفة والمنذورة لفعل الخير
هالة انفو. بقلم:عبد العزيز حيون
تشكل الذاكرة التاريخية لمدينة تطوان سِجلا حافلا بسير شخصيات استثنائية أسهمت في بناء النسيج الاجتماعي والثقافي والعمراني لمدينة تطوان.
وفي قلب هذا السجل، تبرز الشريفة “للا فريجة” كرمز يجسد أصالة المرأة المغربية وإصرارها.
امرأة جمعت بين الحكمة الفقهية، والوعي المقاصدي بشرع الله، وحسن التدبير ، لتنذر حياتها بالكامل لخدمة الأسرة والمجتمع والعمل الإنساني.
أبصرت الشريفة للا فريجة ذات الأصول الأندلسية العريقة، النور بحي “السويقة” بتطوان و بدأت رحلتها العلمية بـ “المسيد” حفظا لكتاب الله وتلقيا للعلوم الدينية على يد العلامة الفقيه الورع ” الزواق”.
وأثمر هذا التكوين الإيماني متانة علمية وشخصية قيادية فذة جعلت منها—رغم كونها البنت الوحيدة بين أربعة إخوة—المدبرة الرئيسية لشؤون العائلة والموجهة لأعمالها.
و تجلت عبقرية للا فريجة العارفة بشرع الله وأبعاد الشريعة المقاصدية حين أُصيب والدها بمرض عضال أفقده الذاكرة، وطرأت مطالب الإخوة بحقهم في الإرث بعد زواجهم.
و لم تلجأ للا فريجة إلى النزاع، بل اعتمدت على الحوار والحكمة إذ أقنعت إخوتها بالحفاظ على الثروة الأسرية المتمثلة في الأراضي الزراعية والمحلات الصناعية والتجارية الموزعة بين أحياء تطوان التاريخية .
و خصصت لإخوتها ،وفق مؤرخي المدينة ،الموارد المالية والغلال بانتظام، بينما تولت بنفسها إدارة الأملاك الميدانية ،ممارسة بذلك دورا إشرافيا وأخلاقيا ترك أثرا عميقا في أوساط مختلف شرائح المجتمع التطواني.
و شكل موعد اختيارها لإكمال حياتها محطة مفصلية، إذ رفضت الزواج رفضا قاطعا رغم الإغراءات والمكافآت المادية التي قدمت لأجل خطبتها من أعيان المدينة وأغنيائها، معتبرة أن رسالتها في الحياة ورعاية أسرتها ووالدها المريض أولى وأهم.
و وسعت الشريفة للا فريجة من دائرة خدماتها الاجتماعية لتشمل كافة الفئات الهشة في تطوان، لتجسد أسمى صور التضامن الإنساني عبر رعاية المرضى والمسنين و إعداد الطعام وتحميله شخصيا إلى الخيريات و المارستان، وتنظيف المساجد وتفقد أحوال المقيمين بها وكذا التواجد الميداني بجانب النساء عند الولادة، وتخفيف آلامهن، مع كفالة إطعام الزائرات وعدم مغادرة البيت إلا بعد شفاء الأم والمولود.
كما عرفت للا فريجة بالتكافل الرمضاني وتفقد منازل الفقراء والمحتاجين ومدهم بالطعام، وتخصيص الأكباش سنويا من مزرعتها كأضاح وصدقات للمساكين.
الأثر العمراني: جامع السويقة (جامع للا فريجة):
عند بلوغها سن الخمسين، وبعد اطمئنانها على استقرار العائلة، قامت بتوزيع التركة المتبقية على إخوتها وأبنائهم.
وتوجت مسيرتها الحافلة بعمل عمراني وإيماني يخلد اسمها، إذ هدمت منزلها الذي ورثته عن أبيها بحي السويقة، وبنت على موقعه امتدادا لمسجد جامع يعرف اليوم بجامع للا فريجة (أو جامع السويقة)، المتواجد بحي السقالة غير بعيد عن باب العقلة.
ورغم أن أصول موضع المسجد ترجع تاريخيا إلى مرحلة سابقة من تاريخ المدينة ، إلا أن إعادة بنائه وتجديده على يد الشريفة للا فريجة واعتكافها به جعل اسمها يلتصق به في الذاكرة الشعبية والمدونات التاريخية، كما يذكر المؤرخ أحمد الرهوني.
و قضت للا فريجة ما تبقى من عمرها معتكفة بمسجدها، منذورة للذكر والدعاء وفعل الخير، حتى وافتها المنية.
ويروى أن يوم وفاتها شهد حشودا غفيرة من الغرباء وأهل تطوان الذين توافدوا على الأزقة القريبة للمسجد للترحم على روحها، معبرين عن الفقد الجلل لامرأة شكلت سندا وعاطفة وإحسانا لكل قاصد.
و تبقى الشريفة للا فريجة نموذجا متفردا للمرأة المغربية التي جمعت بين نبل النسب، وقوة الشخصية، وحسن التدبير، والعمق الإيماني، تاركة خلفها معلما معماريا وإرثا إنسانيا يفيض بالخير في قلب مدينة تطوان العتيقة.