درب “سَبْع لْواوي” بتطوان : هندسة العزلة والضيق الشديد والملاذ الفريد

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تتميز مدينة تطوان العتيقة بنسيج عمراني فريد يختزل القرون الطويلة من التمازج الحضاري بين الثقافة المغربية والأندلسية، ومن بين مئات الأزقة والدروب المفروشة بالحجر، يبرز درب “سَبْع لواوي” كأحد أغرب الدروب حجما وشكلا وأكثرها إثارة لدهشة اللذين لا يعرفون خبايا هندسة هذا الدرب ووظيفته وشكله وخاصيته.
و يصنف درب “سَبْع لواوي” ، الذي يوجد مدخله بمحاذاة مسجد “الربطة” وعلى مقربة من زاوية سيدي علي بن ريسون وحي الصياغين ، كأضيق درب في تطوان، إذ بضيقه جدا لا يتسع لمرور أكثر من شخص واحد في الوقت ذاته، مما يجبر المارين على السير بتأن شديد .
واستمد الزقاق اسمه الشائع من منعرجاته السبع المتتالية ، حيث يتلوى كالشريط الضيق بين جدران المنازل العتيقة الناصعة البياض،هذا الضيق الشديد ليس محض صدفة أو تخطيط عشوائي، بل يعكس دقة الهندسة المعمارية الأندلسية التي نقلها الموريسكيون و المهندسون الذين شيدوا المدينة عقب سقوط الأندلس، محولين المساحات الضيقة إلى تحف معمارية توفر الأمن والخصوصية.
و يرجع بناء زقاق “سَبْع لواوي” (أو درب الشربي)، الذي يمتد وظيفيا الى غاية حي “المْطْمَر” و “الملاح البالي” ،وبهذا المقياس الميكروسكوبي إلى جملة من الأسباب المعمارية و”الأمنية” والاجتماعية التي اعتمدها المعمار الأندلسي-المغربي:
الوظيفة الأمنية: شُيدت الأزقة الملتوية والضيقة من هذا النوع كخط واق أول داخل أحياء المدينة العتيقة،في حال اقتحام معين للمدينة، و يمنع هذا النوع من الدروب الحركة التي قد تسبب الأذى للساكنة ، وفي المقابل تتيح للساكنة المحلية المعنية التحكم في المداخل والسيطرة على الغرباء بسهولة.
التكيف المناخي وتوفير الظل: و يساهم تقارب الجدران وارتفاعها في تقليل مساحة السطوح المعرضة لأشعة الشمس المباشرة خلال الصيف، مما يخلق تيارا هوائيا خفيفا يلطف جو الدروب المعنية، فضلا عن الحماية من الرياح القوية والأمطار الشديدة في فصل الشتاء التي تتميز بها مدينة تطوان خلال هذه الفترة من السنة .
حرمة البيت وحماية الخصوصية: تعتبر الخصوصية وحرمة السكن (السترة) أساسا متينا في التخطيط العمراني الأندلسي والمغربي الإسلامي، فإلتواءات الدروب عامة تمنع المارين من كشف أسرار البيوت عند فتح أبوابها، فتظل حرمة الدار مصونة بعيدا عن أعين المارة.
الدعم الهيكلي : تستند جدران المنازل المتقاربة على بعضها البعض عبر “القوابض” أو الأقواس الخشبية والحجرية الممتدة بين ضفتي الدرب ، مما يمنح المباني متانة إضافية ومقاومة أفضل ضد الهزات الأرضية والتقادم.
ويتداول أهل تطوان “يقينية” مغزاها أن درب “سبع لواوي” هو “المقياس” لاكتشاف من يعرف تطوان العتيقة حق المعرفة أولا بتدقيق مكانه ،وثانيا بالدخول إلى الدرب والخروج منه دون أن نضل الطريق أو نضطر لسؤال المارة وساكنة الحي.
و يبقى درب “سَبْع لواوي” في قلب مدينة تطوان العتيقة شاهد من الشواهد الحية على عبقرية المعمار الأندلسي الذي استطاع تحويل الإكراهات المكانية إلى حلول هندسية جمالية ووظيفية فريدة من نوعها .
والسير في هذا الدرب يتجاوز كونه فقط عبور بين جدارين، بل هو رحلة عبر الزمن لاستكشاف فلسفة عيش احتفت بالأمان، والخصوصية، والتكيف الذكي مع الطبيعة.

error: Content is protected !!