طنجة المتوسط: هندسة ملكية لطموح اقتصادي يتجاوز الحدود

هالة انفو بقلم : محمد اليطفتي

ليس من قبيل الصدفة أن يتحول ميناء طنجة المتوسط، في ظرف وجيز، إلى أحد أبرز الموانئ على الصعيدين المتوسطي والدولي، وأن يصبح اسمه حاضرا بقوة في تقارير ومتابعات المتخصصين في النقل البحري واللوجستيك.
فالأمر يتعلق بمشروع استراتيجي كبير، لم يكن الهدف منه مجرد بناء ميناء لاستقبال السفن وتفريغ وشحن البضائع، وإنما كان جزءا من رؤية ملكية متبصرة أرادت للمغرب أن يستثمر موقعه الجغرافي الفريد، وأن يحول قربه من أوروبا وإطلالته على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية إلى قوة اقتصادية حقيقية.
ولعل المعطيات البحرية الإسبانية الأخيرة تقدم دليلا جديدا على حجم التحول الذي أحدثه طنجة المتوسط في خريطة الملاحة بالمنطقة. فقد أبرزت منصة “إل إستريتشو ديجيتال” أن متوسط حجم الشحن اليومي التقديري عبر الميناء المغربي، خلال الأسبوع المنتهي في 21 غشت الجاري، بلغ نحو 382 ألفا و716 طنا، مقابل 179 ألفا و163 طنا بميناء الجزيرة الخضراء الإسباني، أي ما يقارب الضعف، وفق تحليل إشارات تتبع السفن عبر نظام التعرف الآلي.
وقد يكون من السهل اختزال هذه الأرقام في مجرد مقارنة بين ميناءين متقابلين على ضفتي المضيق، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالرقم يكشف عن قدرة متنامية لطنجة المتوسط على استقطاب السفن ذات الحمولات الكبيرة والخطوط البحرية الدولية، وعن جاذبية متزايدة لمنصته اللوجستية، بما يجعل المنافسة في مضيق جبل طارق لا تحسمها الجغرافيا وحدها، وإنما جودة البنية التحتية وكفاءة الخدمات وسرعة المعالجة والقدرة على الاستجابة لمتطلبات الاقتصاد العالمي.
لقد أدرك المغرب، في وقت مبكر، أن الموانئ لم تعد مجرد مرافق للعبور، بل أصبحت مراكز استراتيجية لصناعة القيمة، وربط الأسواق، واستقطاب الاستثمارات، وتسهيل المبادلات التجارية. ومن هنا جاءت فلسفة طنجة المتوسط باعتباره منظومة متكاملة تتجاوز مفهوم الميناء التقليدي، وتجمع بين الموانئ والمنصات اللوجستية والمناطق الصناعية والخدمات المرتبطة بالتجارة الدولية، بما ساهم في ترسيخ مكانة شمال المملكة كقطب اقتصادي مفتوح على العالم.
والواقع أن نجاح طنجة المتوسط لا يمكن فصله عن الرؤية الملكية التي جعلت من البنيات التحتية الكبرى إحدى ركائز بناء مغرب قوي ومندمج في الاقتصاد العالمي. فقد كان الرهان واضحا: ألا يظل الموقع الجغرافي للمغرب مجرد امتياز طبيعي، بل أن يتحول إلى قيمة اقتصادية مضافة، وأن تصبح المملكة جسرا فعليا بين أوروبا وإفريقيا، وفضاء لاستقبال الاستثمارات، ومنصة لتوزيع البضائع نحو أسواق متعددة.
واليوم، تقدم النتائج ما يشبه الإجابة العملية عن ذلك الرهان. فالميناء لم يكتف بأن يرسخ حضوره في غرب المتوسط، بل أثبت قدرته على الاستفادة من التحولات الكبرى التي يشهدها النقل البحري العالمي، بما فيها إعادة تنظيم الخطوط البحرية وتغير المسارات التجارية الدولية، والتحديات المرتبطة بأزمة البحر الأحمر وتطبيق الأنظمة البيئية الجديدة على النقل البحري.
كما أن ارتفاع متوسط حجم الشحن بطنجة المتوسط خلال السنوات الأخيرة، مقابل تراجع المتوسط المسجل في الجزيرة الخضراء وفق المعطيات ذاتها، يعكس تحولا يستحق التوقف عنده. إنه تحول يقول إن المغرب لم يعد ينظر إلى البحر باعتباره حدودا تفصل بينه وبين محيطه، بل باعتباره فضاء استراتيجيا للتواصل والتبادل والحضور الاقتصادي.
وإذا كانت الأرقام الإسبانية لا تشكل بديلا عن الإحصاءات الرسمية للموانئ، فإن دلالتها تظل مهمة، لأنها تعكس دينامية الحركة البحرية واختيارات شركات النقل والسفن في واحد من أكثر الممرات البحرية نشاطا في العالم. وما ينبغي استخلاصه منها هو أن طنجة المتوسط أصبح فاعلا مؤثرا في هذه الحركة، وأن حضوره لم يعد هامشيا أو ظرفيا، بل بات جزءا من المعادلة الجديدة للتجارة والنقل البحري في المنطقة.
إن طنجة المتوسط، بهذا المعنى، هو أكثر من ميناء ناجح؛ إنه قصة نجاح مغربية في تحويل الموقع إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى استثمار، والاستثمار إلى قوة اقتصادية. وهو أيضا نموذج لما يمكن أن تصنعه الرؤية بعيدة المدى حين تقترن بالإرادة السياسية والاستثمار العمومي والعمل المتواصل على تطوير تنافسية المملكة.
ولذلك، فإن الحديث اليوم عن طنجة المتوسط لا ينبغي أن يكون حديثا عن ميناء ينافس ميناء آخر فحسب، بل عن مغرب جديد استطاع أن يفرض نفسه، بهدوء وثقة، داخل سلاسل التجارة العالمية. مغرب لا يكتفي بموقعه على خارطة العالم، وإنما يعمل على جعل ذلك الموقع ورقة قوة اقتصادية واستراتيجية.
وفي نهاية المطاف، حين تصبح حركة السفن وأحجام الشحن والخطوط البحرية نفسها شاهدة على التحول، فإن الإنجاز لا يحتاج إلى كثير من المبالغة في وصفه. يكفي أن نقرأ الأرقام، وأن نتأمل موقع طنجة المتوسط اليوم، لندرك أن الرؤية الملكية التي راهنت على الموانئ الكبرى والبنيات التحتية الاستراتيجية لم تكن مجرد تصور للمستقبل، بل كانت، وما تزال، مشروعا يصنع المستقبل على أرض الواقع.

error: Content is protected !!