سبتة السليبة.. حين تتقدم الحقيقة على الضجيج

هالة انفو. بقلم : محمد اليطفتي

في لحظة كان يمكن أن تتحول فيها أزمة سبتة السليبة إلى مادة خصبة للمزايدات السياسية، اختار رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانتشيث، أن يضع بعض النقاط فوق حروفها، وأن يقول بوضوح ما يفترض أن يكون بديهياً في العلاقات بين الدول: لا توجد معلومات استخباراتية أو أمنية إسبانية تثبت أي تورط للسلطات المغربية في الأزمة، وأن التعاون مع المغرب إيجابي، بل إن استمرار هذا التعاون شرط أساسي لتجاوزها.
ولعل أهمية هذا التصريح لا تكمن فقط في مضمونه المباشر، وإنما في توقيته أيضاً، بعدما حاولت بعض الأصوات أن تجعل من تدفق المهاجرين على سبتة السليبة مناسبة لإعادة إنتاج خطاب الاتهام والتشكيك في المغرب، وكأن الأزمات الإنسانية لا يمكن أن تكون إلا نتاج مؤامرات سياسية، وكأن العلاقة المغربية الإسبانية لا تزال أسيرة منطق الأزمات القديمة.
لقد كان لافتاً أن يؤكد سانتشيث أن الأزمة لا يمكن حلها بـ”انعدام الثقة في المغرب”، وإنما بالتعاون معه، وأن السلطات المغربية أبدت تعاوناً سريعاً وإيجابياً في مواجهة تداعيات ما وقع. وهذه شهادة سياسية لا ينبغي المرور عليها مرور الكرام، لأنها صادرة عن رئيس الحكومة الإسبانية نفسه، وفي سياق أزمة كانت قابلة لأن تتحول إلى أزمة دبلوماسية لو جرى التعامل معها بمنطق الاتهام بدل منطق المسؤولية.
والأكثر دلالة أن رئيس الحكومة الإسبانية لم يجد في تقارير أجهزته الأمنية والاستخباراتية ما يبرر توجيه الاتهام إلى المغرب. صحيح أن التحقيقات ما تزال مفتوحة بشأن خلفيات الأزمة، لكن الفرق كبير بين البحث عن الحقيقة وبين صناعة حقيقة مسبقة لخدمة خطاب سياسي عابر.
وفي المقابل، سلط سانتشيث الضوء على عنصر بالغ الخطورة في صناعة الأزمات الحديثة: التضليل الرقمي والأخبار الكاذبة. فقد أشار إلى انتشار روايات مضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإلى استغلال شبكات إجرامية لبعض الثغرات القانونية والقضائية من أجل دفع آلاف الأشخاص إلى خوض مغامرة خطيرة نحو سبتة السليبة. كما تحدث عن شبكات مرتبطة بروسيا وإسرائيل، وعن شبكة دولية من اليمين المتطرف، مع التأكيد على أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأزمة كانت مدبرة من طرف دولة بعينها.
وهنا تكمن إحدى أخطر خلاصات أزمة سبتة السليبة: فالمعركة لم تعد فقط على الحدود، وإنما أصبحت أيضاً على شاشة الهاتف، وفي منصات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لفيديو مفبرك أو خبر كاذب أو وعد وهمي بأن يغير سلوك الآلاف خلال ساعات. وقد وثقت عمليات تحقق مستقلة انتشار عشرات الادعاءات الكاذبة والمضللة حول الحدود والهجرة خلال الأزمة.
إن مسؤولية الدول في مثل هذه الظروف لا تتوقف عند حماية الحدود، بل تشمل أيضاً حماية الحقيقة من التزييف، وحماية المواطنين والمهاجرين على حد سواء من شبكات الاتجار بالبشر ومن تجار الوهم السياسي والرقمي.
فالمعلومة الكاذبة قد تكون أحياناً أكثر خطراً من أي وسيلة تقليدية، لأنها تتحرك بسرعة البرق، ولا تحتاج إلى جواز سفر ولا إلى تأشيرة ولا إلى معبر حدودي.
ومن اللافت كذلك أن سانشيز تحدث عن ضرورة احترام حقوق الإنسان بالتوازي مع الحفاظ على قوة الدولة. وهي معادلة تستحق التأمل، لأن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على المنع والردع، وإنما أيضاً بقدرتها على تدبير الأزمات بإنسانية ومسؤولية، وبقدرتها على التعاون مع جيرانها بدل تحويل كل أزمة إلى مناسبة لتبادل الاتهامات.
أما المغرب، في هذه المعادلة، فقد أثبت مرة أخرى أن موقعه كشريك في تدبير قضايا الهجرة والأمن والاستقرار ليس مجرد توصيف دبلوماسي، بل واقع تفرضه الجغرافيا والمصالح المشتركة والتحديات المتنامية في الضفة الجنوبية لأوروبا. ولذلك فإن أي محاولة لإضعاف هذا التعاون أو التشكيك فيه، دون أدلة، ليست سوى إضرار بالمصالح المشتركة قبل أن تكون إساءة إلى طرف بعينه.
إن سبتة السليبة ليست مجرد نقطة على الخريطة، ولا مجرد ملف هجرة عابر، بل قضية تحمل في خلفيتها تعقيدات التاريخ والجغرافيا والسياسة. ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى قدر كبير من الهدوء والعقلانية، وإلى استحضار حقيقة أساسية: أن القضايا العالقة لا تحل بالضجيج، وأن التاريخ لا يلغى بالتغريدات، وأن المستقبل لا يبنى بمنطق الأزمات المفتوحة.
وفي انتظار أن تكشف التحقيقات الإسبانية كل تفاصيل ما جرى، يبقى الأهم ألا تتحول سبتة السليبة إلى مختبر جديد للأخبار الكاذبة والمزايدات السياسية. فالحقيقة، في نهاية المطاف، أكثر قوة من كل الحملات، والتعاون المغربي الإسباني أثبت أنه أقدر من خطاب الشك على مواجهة الأزمات، مهما كانت تعقيداتها.
ولذلك، فإن ما صدر عن سانشيز اليوم ينبغي أن يُقرأ بهدوء: لا اتهام للمغرب، لا معطيات استخباراتية تدين سلطاته، ولا إمكانية لحل الأزمة بعيداً عن التعاون معه. إنها خلاصة سياسية واضحة، تضع حداً لكثير من التأويلات، وتعيد النقاش إلى مكانه الطبيعي: البحث عن الحقيقة، حماية الأرواح، مكافحة التضليل، وتدبير الواقع بعقل الدولة لا بانفعال السياسة.

error: Content is protected !!