محراب العشق الأبدي: مسجد “الرَّبْطَة” بتطوان بين قدسية المكان ونبل الوفاء

هالة انفو. بقلم : عبد العزيز حيون

في قلب المدينة العتيقة بتطوان، حيث تفوح دروبها بالتاريخ والأسرار، يقف مسجد “الرَّبْطَة” شامخا لثلاثة قرون ونيف كأحد أروع المعالم البسيطة التي تمزج بين قدسية المكان ونبل الوفاء الإنساني .. و هو في حد ذاته وثيقة تاريخية وإنسانية حية تختزل قيم الإخلاص ونكران الذات ونبل الوفاء.
وتعود جذور هذا الصرح الديني ، وهو بمحاذاة واحد من أضيق دروب المدينة القديمة درب ابن المفتي (درب “سَبْع لْواوي”) بحي الصياغين، إلى بدايات القرن الثامن عشر الميلادي، حيث امتزج فيه البعد الديني والفكري برمزية عاطفية فريدة، جعلت منه منارة روحية بقلب ينبض بالوفاء و الإخلاص .
حكاية شفهية غفلت عن تدوينها كتب المؤرخين ، لكنها ظلت حية في ذاكرة تطوان ،تتوارثها الاجيال ،جيلا بعد جيل ..وهي كذلك مأثور شفهي أهمله القلم ،فاحتضنته ذاكرة تطوان الحية وتناقلته الألسن والعواطف.

حكاية “الشْوار”: حين يتحول الفقد إلى أثر خالد ترتبط تسمية المسجد بحكاية شفهية تتوارثها الأجيال في تطوان، حكاية سيدة فاضلة قررت أن تحول آلام الفقد إلى صدقة جارية استنفع بها أهل الحي .
كانت تتطلع لزفافها من خطيبها الذي سافر لأداء مناسك الحج قبل أن يجمعهما بيت الزوجية، لكنه انقطع خبره وفُقد أثره في رحلة الحجاز الطويلة والمتعبة آنذاك .
وامتحان الحب الصادق تجلى أولا في رفضها أن تحول خطبتها لنسيان، بل ظلت وفية لهذه الذكرى، ولما تأكدت المسكينة من غيابه الأبدي، جمعت أموال “الشُوار” (جهاز العروس) وسخرتها بالكامل لبناء هذا المسجد تكريما لذكراه.. و لم تكن الأحجار التي رُصت مجرد جدران، بل كانت ترنيما لمشاعر صادقة ونكران تام للذات من أجل حب أضاعه القدر المحتوم .
٧
ولم يقتصر دور مسجد “الرَّبْطَة” على الجانب الإنساني ، بل غدا منذ تأسيسه صرحا علميا ودينيا بارزا في تطوان، فقد اقترن الصرح الديني بأسماء قامات علمية وفقهية رفيعة أثرت المشهد الفكري بالمدينة، من أبرزهم الفقيه عمر لوقش ، الذي كان إماما بهذا المسجد في عشرينيات القرن الثامن عشر وأسهم في تحويل المسجد إلى قبلة للطلبة ومريدي العلم الشريف.
كما ارتبط المسجد بالفقيه علي بن الطاهر شطير ، صاحب كتاب “الحديقة الحسنة، في خطب الشهور والسنة”، و الذي توفي سنة 1777م، وكان في حياته مدرسا وإماما بهذا الجامع وشهدت حلقات تدريسه بالمسجد إقبالا واسعا، مما عزز مكانة هذا الصرح كمؤسسة تعليمية وروحية تعكس هوية تطوان العلمية.
إن مسجد “الرَّبْطَة” بتطوان ، الذي له باب أمامي كبير وباب خلفي صغير ويتميز ببنائه البسيط ، يقدم نموذجا فريدا للعمق الإنساني حين يرتدي عباءة الإيمان ،فهو يذكرنا بأن أجمل البيوت التي تُبنى لله قد تنبت أحيانا من رحم الحب العفيف والوفاء الصادق والتضحية .
ويظل المسجد، بأذانه وترجيعه كل يوم وعلى مر القرون، يحكي لسكان 8الحي من الأجيال المتتالية و للزائرين قصة العروس التي لم تلبس الثوب الأبيض، بل ألبست المدينة محرابا خالدا شهد على غياب الحبيب وحضور العاطفة النبيلة إلى الأبد.

error: Content is protected !!