غضب في إسبانيا… حين يغتال “العنف العقاري” الحق في الحياة

هالة انفو. بقلم:عبد العزيز حيون

في لحظات التناقض الحاد بين منطق السوق وحرمة العيش، تنبت الأحداث التي لا تكتفي بهز الوجدان العام، بل تعيد رسم الخارطة السياسية لبلد بأكمله.
هذا ما شهدته العاصمة الإسبانية مدريد وعدة مدن أخرى، التي وشحت شوارعها بغضب عارم تحت شعار اختزل حجم المأساة: “ضد العنف العقاري.. التنظيم والنضال”.
و هذه التظاهرات الحاشدة تتجاوز مفهوم حراك عابر في روزنامة الاحتجاجات العادية، إلى كونها صرخة استغاثة إنسانية، ووقفة إجلال لروح مواطنة إسبانية تدعى “ماري كارمن” (Maricarmen)، فارقت الحياة أواخر شهر شتنبر المنصرم عقب تنفيذ قرار إخلائها القسري من منزل كانت تقطنه لعقود من الزمن .
دقيقة الصمت التي خيمت على المحتجين لم تكن للحداد فقط، وإنما أيضا محاكمة شعبية لمفهوم “السكن” في كنف الاقتصاد الحر.
فقد حمل البيان الصادر عن الجهات الداعية للإضراب و الاحتجاج أصابع الاتهام مباشرة إلى “صناديق الاستثمار الجشعة” ، محملة إياها المسؤولية المباشرة عن هذه الفاجعة، وواصفة إياها بـ “جريمة قتل صريحة ومعركة ضد النظام العقاري المستبد”.
ويرى الشارع الغاضب أن مثل هذه الفواجع تتعدى كونها حوادث عرضية أو طارئة، إلى كونها تصفية جسدية بطيئة ينفذها “نظام عام ” معمول به يغلب أرباح فئات معينة على الحق الأساسي في السكن.
و تأتي هذه الهزة الإنسانية والاجتماعية في توقيت سياسي بالغ الحساسية ،حيث تغلي إسبانيا على وقع أزمة سكن خانقة، كانت القشة التي قصمت ظهر البرلمان وأدت إلى رفض مرسوم الإسكان الحكومي.
وهو الرفض الذي دفع رئيس الحكومة بيدرو سانتشيث إلى اتخاذ قرار مفصلي بحل المجلسين والدعوة لانتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر 2026.
في هذا المشهد المشحون، قد تشكل مأساة “ماري كارمن” نقطة تحول جارفة قد تغير معالم المشهد السياسي الإسباني.
فالمعاناة التي تجسدت في هذه الواقعة أعادت خلط الأوراق السياسية، إذ يجد الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) فرصة سانحة لكسب تأييد شعبي وأخلاقي واسع لطرحه التشريعي القاضي بحماية الفئات الهشة من توحش السوق العقاري، في مقابل موقف الأحزاب المعارضة التي تتبنى الحفاظ على قواعد السوق المفتوحة وتلقى اليوم حرجا كبيرا أمام الشارع.
إن وفاة “ماري كارمن” لم تعد مجرد قصة إخلاء قسري انتهت بفاجعة رحيل صاحبته، بل تحولت إلى رمز نضالي يختبر إرادة الناخب الإسباني.
وبينما تتهيأ البلاد لصناديق الاقتراع في نوفمبر المقبل، يبقى السؤال قائما: هل تكون دماء هذا “العنف العقاري” هي البوصلة التي توجه صوت المواطن الإسباني نحو إعادة إعلاء الإنسان على حساب “صناديق الجشع”؟..

error: Content is protected !!