باب ” الرموز”..حارس الظل الصامت وذاكرة التاريخ المهموس في تطوان العتيقة
هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون
تتعدد الأبواب في المدن العتيقة كأنها قصائد من حجارة، تفصل بين صخب الحياة ودفء الحنين وتختزل حكايات تعظم المكان والأشخاص وتستحضر البطولات والأمجاد والروايات الشفوية العابرة و مذكرات الهوامش.
غير أن ل “باب الرموز” في تطوان (بتسكين الراء كما ينطقها أهل المدينة ) طابعا فريدا وساحرا ، فهو ليس الباب المهيب الذي تتهادى تحته المواكب، ولا الحصن المنيع الذي تتبارى فيه الأبصار، بل هو أثر رقيق، وحارس صامت يتربع في منتهى شارع المصلى القديمة جنوب المدينة ويطل حاليا على المركب السكني “كاسا بلوكي” وحي المحنش العريض ومحطة القطار القديمة وعلى منتزه “رياض العشاق”، كأنه يختزل في حجمه المتواضع وتصميمه البسيط حكايات منسية لأزمنة غابرة.
حين تقف أمام هذا الباب الصغير، يتبادر إلى ذهنك تساؤل بليغ عن سر تواضعه.. لقد أُنشئ منذ البداية ليطلع بدور ثانوي لقلة استعماله، فجاء هادئ الملامح، بعيدا عن أبهة الأسوار الكبرى التي تشتهر بها مدينة تطوان.
ومع ذلك، فإن هذا الحجم المنسي لا ينقص من قيمته شيئا، بل يزيده ألَقا و وَقارا، ففي عوالم التاريخ، غالبا ما تسكن الحكايات الأعظم في التفاصيل الصغيرة والهامشية التي ترفض النسيان والتهميش.
و يضرب هذا الأثر بجذوره العميقة في تربة التاريخ التطواني العريق، إذ يجمع مؤرخو المدينة على أن ميلاد هذا الباب يرجع إلى مرحلة تأسيس “حومة الربض الأسفل”، مع إشراقة القرن السادس عشر الميلادي. لقد وُلد مع ولادة تلك الأحياء التي احتضنت دَفَقات البشر والتعمير، ليكون شاهدا صامتا على امتداد المدينة ونمو أطرافها،جنوبا وشرقا،شاقا طريقه بهدوء بين حنايا الأزقة ،منهاالرئيسي ومنها الثانوي .
وتحمل تسميات الأبواب عادة أسرارا دلالية، فمصدر تاريخي يرجح أن الاسم يعود إلى عائلة كريمة كانت تقيم في المكان الذي أُقيمت فيه الباب، فصار الأثر يحمل طيف أهل الدار وذكراهم..وهناك من ينسب الباب الى عائلة “الرموز” (أو “راموث”) الأندلسية الموريسكية التي كانت تقيم وتملك الأرض التي أُقيمت عليها هذه البوابة..والله أعلم.
أما في مرحلة الاحتلال الإسباني للمدينة (1860 – 1862)، فقد مر الباب بتحولات في هويته اللغوية، حيث أشار مؤرخ تطوان العلامة محمد داود إلى أنه حمل اسم “Puerta de los Reyes Catolicos” (أي باب الملوك الكاثوليك)، في إشارة إلى الملكين فرناندو الثاني وإثابيلا اللذين انطوت تحت زواجهما صفحة الأندلس ،غير أن هذا الاسم الوافد لم يعمر طويلا، وبقي مجرد تسمية عابرة تلوكها أقلية إسبانية ضيقة وانمحى من ذاكرة أهل تطوان وضواحيها تماما .
ويضيف العالم عبد السلام بن أحمد السكيرج إسما إسبانيا ثانيا لازمه إبان الاحتلال الثاني، وهو “Puerta de la Luneta” (أي باب القمر الصغير)، ليظل اسم “الرموز” الأصيل هو النابض بالحياة وهو الدائم والمستدام ، و العابر لغربات الزمن، والمستقر في وجدان الذاكرة الشعبية.
إن “باب الرموز” ،الذي يطل يمينا نزولا على جبل غرغيز الشامخ وعلى سفوحه حيث دار الحلقة وبوسملال ودار الغازي..،يتجاوز كونه فقط ممر حجري صغير، ليثبت نفسه كنافذة جميلة على روح تطوان الهادئة، ورمز للصمود البسيط الذي لا يحتاج إلى صخب ليخلده التاريخ.. و على عتباته تتناغم أصداء الماضي، ويبقى شاهدا حيا على أن العظمة الحقيقية لا تقاس بكبر المساحات، بل بما تحمله الجدران من أرواح وحكايات.