استنزاف السائقين المهنيين ومعركة السيادة اللوجستية للمغرب

هالة انفو. بقلم:عبد العزيز حيون

يشهد قطاع النقل واللوجستيك في المغرب تحولا خطيرا يتجاوز حدود “الهجرة الفردية لليد العاملة ” ليَمُس مربع السيادة الاقتصادية والأمن القومي اللوجستي.
ففي الوقت الذي يسعى فيه المغرب إلى ترسيخ موقعه كقطب قاري ودولي في سلاسل الإمداد وإطلاق صاحب الجلالة الملك محمد السادس المبادرات الاستراتيجية لتطوير قطاع النقل واللوجستيك وتعزيز الربط القاري والدولي، وهي الرؤية الملكية المتبصرة التي تم من خلالها إطلاق المخطط الوطني لتنمية المناطق اللوجستيكية والمشاريع الكبرى للربط البحري والبري، تجد المقاولة المغربية نفسها أمام استنزاف ممنهج لكفاءاتها من السائقين المهنيين، يقوده إيعاز وتسهيلات واستقطاب مسعور من طرف دول أوروبية تعلن صداقتها للمغرب، بينما تخوض عمليا استراتيجية لترقيع عجزها اللوجستي على حساب القطاعات المغربية الحيوية.
أولا،الاستقطاب الأوروبي الممنهج: صديق في العلن ومستنزف في الخفاء:
تعاني العديد من الدول الأوروبية من أزمة هيكلية حادة في أعداد السائقين المهنيين، ونتيجة لذلك، لم تتجه هذه الدول إلى الاستثمار في تكوين مواطنيها، بل اعتمدت حلولا سهلة عبر خطط استقطاب مدبرة تستهدف السائق المغربي المهني المؤهل.
و تتم هذه العملية عبر أولا تسهيل تأشيرات العمل عقودا وتراخيص مخصصة لهذه الفئة في مقابل رفض منح التأشيرة لكثير من المهنيين التابعين للشركات المغربية ، وثانيا تقديم إغراءات مالية واجتماعية تستغل فيها الفوارق بين القدرة الشرائية في أوروبا والمغرب ،و ثالثا استهداف مباشر ومكشوف لشركات النقل واللوجستيك الوطنية لاستقطاب أفضل مواردها البشرية .
إن هذا السلوك الأوروبي يمثل تحديا صريحا لعلاقات الشراكة، إذ تدعي هذه الدول دعم الاقتصاد المغربي وتطويره، بينما تفرغه عمقيا من الموارد البشرية الحيوية التي تمثل المحرك الأساسي لشرايين هذا الاقتصاد.
ثانيا، المقاولة المغربية بين مطرقة التكاليف وسندان النزيف:
إذا كان من حق السائق المغربي السعي نحو تحسين وضعه المالي والاجتماعي، فإن انعكاسات هذا النزيف المستمر باتت تشكل تهديدا وجوديا وتنافسيا للمقاولة الوطنية مع ارتفاع تكاليف التكوين و التشغيل وتحمل المقاولة الوطنية والاستثمار العمومي هزات تكوين السائق وإعداده وحصوله على رخصة السياقة المهنية والتأهيل والتكوين المستمر، لتقوم الشركات الأوروبية بجني ثمار هذا الاستثمار مجانا ودون أدنى مساهمة.
و هذا المخطط الأوروبي يتسبب في تعطيل سلاسل الإنتاج و الصادرات،و يؤدي النقص في عدد السائقين إلى تأخر نقل البضائع، وخاصة المنتجات الفلاحية والصناعية الموجهة للتصدير، مما يضعف قدرة المغرب على الوفاء بالتزاماته الدولية ويضر بسمعة المنتج المغربي وسمعة البلاد ككل.
كما أنه بسبب هذا الوضع المعقد تجد المقاولات المغربية نفسها غير قادرة على مجاراة الإغراءات المالية الأوروبية، مما يهدد بإفلاس العديد منها وتراجع قدرة القطاع على التوسع ،الذي فيه فائدة مهمة للاقتصاد الوطني.
ثالثا،حماية السائق وإنصاف المقاولة: معادلة استدامة القطاع
تؤكد الرؤية المتقاطعة بين الوزارة الوصية ومهنيي القطاع أن إنصاف السائق المهني المغربي وحماية المقاولة الوطنية ليسا خيارين متناقضين، بل هما جبهة واحدة لا تصمد إحداهما دون الأخرى.
رابعا،المقاربة الحكومية المطلوبة: نحو حوار شجاع وسيادة لوجستية
إن مواجهة هذه الحملة الهادفة إلى إضعاف تنافسية المقاولة المغربية وتقويض طموح المغرب القاري تستدعي مقاربة حكومية متكاملة وقرارات شجاعة ترتكز على المحاور التالية:
بداية عبر إرساء دعم دولي ودائم للمقاولة المغربية مع التخلي عن سياسة الحلول الترقيعية أو الدعم الموسمي، والتعامل مع قطاع النقل كقطاع استراتيجي يعني بالدرجة الأولى السيادة الوطنية.
و كذلك عبر تقديم حوافز ضريبية ودعم مباشر لتجديد الأسطول وتغطية تكاليف التكوين والتحفيزات الاجتماعية لمهنيي القطاع والتحفيزات المالية للمقاولات المغربية على غرار ما يقوم به الاتحادالأوروبي والدول الأعضاء.
ثم عبر فتح حوار صريح وجاد وواضح مع الشركاء الأوروبيين يلامس فرض منطق “الرابح-الرابح” في ملفات الهجرة المهنية ،ومطالبة الدول الأوروبية بالمساهمة في تمويل التكوين المهني بالمغرب، أو منح تعويضات مالية للشركات المغربية المتضررة من قرصنة كفاءاتها ،و ربط التسهيلات التجارية بشروط حماية العمالة الوطنية وسلاسل التوريد المغربية، وكذا تطوير منظومة التكوين والاستباقية عبر توسيع شبكات مراكز التكوين المهني لسد الفراغ بشكل سريع، وصياغة عقود شغل تضمن استمرار المهنيين المعنيين داخل المقاولات لفترات زمنية معقولة تعوض استثماراتها.
وختاما ،فإن موجة الاستقطاب الأوروبية الممنهجة تتجاوز كونها مسألة عرض وطلب في سوق الشغل الدولي، الى معركة تنافسية غير متكافئة تستهدف كبح طموح المغرب في التحول إلى منصة لوجستية عالمية ورائدة إفريقيا.
وحماية السائق المهني المغربي من الاستقطابات الأوروبية المسعورة بالتوازي مع تحصين المقاولة الوطنية ودعم استمراريتها، يمثلان السد المنيع لحماية الاقتصاد الوطني، وصون سيادة البلاد اللوجستية، وضمان استقرار سلاسل الإمداد والإنتاج بما يخدم تطلعات المغرب واقتصاده الناشئ.

error: Content is protected !!