ارتباط أهل تطوان في رمضان بالمنتوجات المجالية يمنح المائدة المحلية هويتها الخاصة

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تتميز مدينة تطوان خلال شهر رمضان بـارتباط خاص بالمنتوجات المجالية (Produits du Terroir) القادمة من القرى المحيطة بها ،وهذا الارتباط ليس مجرد تسوق، بل هو طقس سوسيوثقافي واقتصادي يمنح المائدة التطوانية هويتها الخاصة.
و يُعتبر رمضان في تطوان مناسبة استثنائية يمتزج فيها الروحاني بالجمالي، حيث تتحول المائدة التطوانية إلى لوحة فنية تعتمد بشكل أساسي على المنتوجات المجالية التي تعكس هوية المنطقة المتوسطية وتمازج الحضارات وتداخل عادات المكونات الديموغرافية للحمامة البيضاء .
ولأهل تطوان وضواحيها خصوصيات استعمال هذه المنتوجات المجالية في رمضان ،وكل منتوج يرتبط بعادات مطبخية تؤثث مائدة ساكنة المنطقة في الشهر الفضيل .
فالأجبان والألبان تعتبر “نوارة” المائدة ،و لا يمكن تخيل فطور وسحور تطواني بدون الجبن البلدي الطري (جبن جبالة) الذي يعد “سيد المائدة” في تطوان خلال رمضان ، و يُجلب يوميا من المناطق المجاورة (مثل بني معدان وأنجرة .. ) بلفافات “الدوم” التقليدية التي تعطيه نكهة طبيعية تميزه عن الأجبان المصنعة ،كما أن الزبدة البلدية واللبن يُستهلكان بكثرة في شهر رمضان ، خاصة في وجبة السحور ،وتعتبر الزبدة الجبلية المستخلصة يدويا أساسية لدهن “الرغايف” و”البغرير” و”الخبز د المَقْلة”.
وفي السياق ذاته ،تتميز تطوان بدقة متناهية في تحضير الحلويات التي تعتمد على مكونات محلية كاللوز البلدي والعسل لتحضير الشباكية (كويلش)بلمسة رقيقة، وغالبا ما تُفضل ربات البيوت تلك المصنوعة بالعسل الحر إن توفرت القدرة المادية و الاستطاعة .
كما يعتمد “السفوف” (سلو ،كما يسمى عند ساكنة مناطق أخرى من المغرب) على أجود أنواع اللوز البلدي والزنجلان ، ويُعتبران مصدرا رئيسيا للطاقة خلال شهر يتطلب الصبر والصلابة والتوازن البدني .
ويُقبل أهل تطوان ،كعادة باقي آهالي المدن المغربية ، على مختلف العجائن ،التي تُستهلك بكثرة في وجبتي الفطور و السحور ، وتُدهن بـ “السمن ” أو العسل الجبلي .
كما لزيت الزيتون البكر ،القادم غالبا من معاصر “بني عروس” و”وزان” وبني سعيد ، حضور قوي في موائد تطوان ،وهو مكون أساسي في أغلب الأطباق المحلية أو الأندلسية المتوارثة لنكهته الخاصة وطبيعته .
ولا يمكن أن نغفل أيضا إقبال أهل تطوان وضواحيها على التين المجفف (الكرموس اليابسة/الشريحة) ،الذي يُستهلك كبديل صحي للحلويات عند بعض العائلات ،وخاصة في الفصول التي لا تحضر فيها مختلف أنواع التين الطري .
وتنتعش خلال الشهر الفضيل تجارة الأعشاب القادمة من الجبال المجاورة فالزعتر والنعناع والحبق والريحان واللويزة لا يكتمل “أتاي” التطواني وبعض العصائر لتنسيمها و تنسيم الحريرة ( خاصة في بعض القرى المجاورة لتطوان) ،وتستعمل أعشاب أخرى عطرية في “التعطيرة” الخاصة ببعض الحلويات التقليدية أو لتهدئة المعدة بعد الإفطار.
و تُفضل الكثير من الأسر اقتناء الحبوب الكاملة من المطاحن التقليدية في القرى المجاورة لتحضير وجبات طاقية للسحور، كما لإعداد شوربة الشعير (بلبولة) ،التي تعتبر بديلا صحيا للحريرة لبعض الناس خلال رمضان لظروف صحية أو لقناعاتهم الخاصة واختلاف الأذواق.
ويفضل التطوانيون البيض “البلدي” الصغير الحجم القادم من المداشر المحيطة للمدينة ،و هم يعتبرونه أكثر غنى وفائدة للصائم وخالي من أية مكونات قد تضر بالصائم .
كما يقبل التطوانيون ،سواء في شهر رمضان أو في باقي أوقات السنة ، على اقتناء الخضروات البيولوجية و”الربيع” (البقدونس والقزبرة و الكرافس) لتحضير الوجبات الخاصة بالشهر الأبرك و “الحريرة” التي تتطلب “كرافس” و”قزبرة” طازجة جدا وطماطم بلدية حمراء داكنة وذات نكهة طبيعية لا تحتوي عليها الطماطم الآتية من مناطق أخرى .
و لماذا يفضل التطوانيون المنتوجات المجالية؟
أولا للجودة والمذاق والارتباط بالأرض ،الذي يضمن نكهة أصيلة لا توفرها المنتوجات التي تستعمل كثيرا الأسمدة المصنعة وطرق أخرى لتكثيف النمو والغلة ،وثانيا لدعم الاقتصاد المحلي و تشجيع التعاونيات النسائية وغيرها والمزارعين الصغار البسطاء في إقليم تطوان ونواحيه ،وثالثا للجانب الصحي وعدم استعمال بعض المواد المضرة التي يستعملها بعض الفلاحين الكبار لأغراض ربحية ، ورابعا البحث عن كل ما هو “بلدي” لضمان صيام مريح بدون مضاعفات صحية .
وهناك أسواق شعبية خاصة في تطوان يأتي إليها البائعون القادمون من ضواحي المدينة ،القريبة والبعيدة نسبيا ، لعرض منتوجاتهم الطازجة والطرية خلال أيام محددة من الأسبوع .
ومن الأسواق الشعبية لعرض المنتوجات المجالية المعروفة في تطوان باب العقلة وباب نوادر والوطية والعيون وحي سيدي طلحة “الباريو” و”الترانكات” وسانية الرمل وحي كويلمة والساقية الفوقية والمصداع و السوق الفوقي وبجوار “السوق المركزي” (البلاصا) ،كوجهات أساسية يكون عليها الإقبال بكثرة في أيام رمضان ،وتشتد فيها الحركة التجارية .
كما ظهرت في تطوان فضاءات حديثة مخصصة حصريا للمنتوجات المجالية تقع في أحياء مختلفة من المدينة ، وهي منصات لدعم التعاونيات النسائية في المنطقة ،ويعرض فيها العسل الطبيعي وزيت الزيتون البكر والجبن البلدي و الأعشاب المنسمة، ومختلف أنواع المربى والكسكس التقليدي المنتج من طرف تعاونيات نساء الشمال.
ولا يمكن أن نغفل الحديث عن الأسواق الأسبوعية المحيطة بمدينة تطوان ،التي تُعد بدورها “كنزا” للمنتوجات المجالية ،منها أسواق الخميس أنجرة وبن قريش والزياتن وبني معدان وأزلا وبني حسان وبني حرشان ..

error: Content is protected !!