منذ انطلاق مشوار المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم 2026، عاش المغاربة لحظات استثنائية من الفرح والفخر والاعتزاز. فقد وحدت إنجازات أسود الأطلس قلوب الملايين داخل الوطن وخارجه، وخرجت الأسر بأكملها إلى الشوارع والساحات للاحتفال بانتصارات رسمت الابتسامة على وجوه الجميع.
الأطفال رددوا أسماء اللاعبين، وقلدوا مهاراتهم في الأزقة والساحات، والشباب عبروا عن فرحتهم بالأعلام والأهازيج، أما كبار السن فقد تابعوا المباريات بقلوب يملؤها الدعاء، يرددون الأدعية مع كل هجمة خطيرة، ويسألون الله أن يحفظ المنتخب ويوفق الحارس ياسين بونو في التصدي للكرات والحفاظ على نظافة الشباك. لقد كانت مشاهد عفوية تعكس عمق تعلق المغاربة بمنتخبهم الوطني، وقوة الانتماء لهذا الوطن.
ولا شك أن هذه الإنجازات الرياضية ليست وليدة الصدفة، بل هي ثمرة رؤية بعيدة المدى لتطوير الرياضة الوطنية، وتجسيد لاهتمام المملكة، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، بالاستثمار في البنيات التحتية والتكوين واكتشاف المواهب، حتى أصبحت كرة القدم المغربية نموذجا قاريا ودوليا، وسفيرة لقيم العمل والانضباط والإصرار.
فالرياضة اليوم لم تعد مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت رافعة للتنمية، ومصدرا لتعزيز صورة المغرب عالميا، وعاملا لتقوية الشعور بالانتماء والوحدة الوطنية، وإلهام الأجيال الصاعدة بأن النجاح يتحقق بالاجتهاد والعمل الجماعي.
غير أن الفرحة، مهما كانت عظيمة، ينبغي ألا تتحول إلى سبب للألم والحزن. فمع كل احتفال تسجل حوادث سير، وإصابات بسبب السياقة المتهورة والاستعراضات الخطيرة، واستعمال المفرقعات بشكل عشوائي، وإغلاق الطرقات، وتعطيل حركة سيارات الإسعاف والأمن والدرك والوقاية المدنية، وهي وسائل قد تكون في طريقها لإنقاذ حياة إنسان.
إن الاحتفال الحقيقي هو الذي يجمع بين الفرح والمسؤولية. فمن حق الجميع أن يفرح، وأن يغني، ويرقص، ويرفع العلم الوطني، ويشارك الآخرين نشوة الانتصار، لكن من واجب الجميع أيضا احترام قانون السير، والمحافظة على النظام العام، وتجنب كل سلوك قد يعرض حياة الآخرين أو حياتهم للخطر.
ولعل أكثر ما يسيء إلى صورة الاحتفالات هو بعض التصرفات الطائشة، كالسياقة الاستعراضية، أو إخراج أجزاء من الجسم من نوافذ السيارات، أو ركوب الدراجات بشكل خطير، أو استعمال المفرقعات في أماكن مكتظة، وهي ممارسات قد تنتهي بإصابات بليغة أو إعاقات دائمة أو فقدان أرواح، فتحول ليلة فرح إلى مأساة لا تنسى.
لقد اشتهر المغاربة عبر التاريخ بروحهم الحضارية، وحسن تنظيمهم، وتضامنهم في مختلف المناسبات، ولذلك فإن أجمل رسالة يمكن أن نقدمها للعالم ونحن نحتفل بانتصارات منتخبنا هي أن نظهر أخلاقنا، واحترامنا للقانون، وحرصنا على سلامة الجميع.
فلنجعل احتفالاتنا مناسبة لنشر الفرح، لا الخوف، ولنرفع أصواتنا بالأغاني الوطنية، ولنفتح الطريق أمام سيارات الإسعاف وكل من يؤدي واجبا مستعجلا، ولنتذكر دائما أن أسرة تنتظر عودة أبنائها سالمين، كما ننتظر نحن العودة إلى بيوتنا لنكمل فرحتنا مع أهلنا وأحبابنا.
إن مسؤولية إنجاح الاحتفالات مسؤولية جماعية، تبدأ من الفرد، وتمر بالأسرة، ووسائل الإعلام، وجمعيات المجتمع المدني، والسلطات، وكل مواطن غيور على وطنه. فكل كلمة توعية، وكل تصرف مسؤول، قد يكون سببا في إنقاذ حياة إنسان.
نعم، نحن متعطشون للفرح، ونستحق أن نفرح بما يحققه منتخبنا من إنجازات، لكننا قادرون أيضا على أن نجعل هذه الفرحة حضارية، راقية، وآمنة. فلنحتفل جميعا… ولكن بدون ألم، حتى تبقى ذكريات الانتصارات جميلة في قلوبنا، ويعود الجميع إلى بيوتهم سالمين، حاملين فرحة النصر لا وجع الفقد.
حفظ الله ملك المغرب، وحفظ أبناء الوطن، ووفق منتخبنا الوطني لمزيد من التألق والإنجازات.