محطة القطار بتطوان :معمار فريد يحتضن الابداع من رصيف السفر الى فضاء الفن

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تعتبر مدينة تطوان ملتقى فريدا للثقافات والحضارات التي تعاقبت على المغرب ، ولا سيما الثقافة الأندلسية والمغربية الأصيلة التي تتجلى في أدق تفاصيل عمرانها وطرقها وحدائقها ومنتزهاتها وشوارعها ودروبها .
وفي قلب هذه المدينة النابض، تقف محطة القطار القديمة كشاهد عيان على حقبة تاريخية متميزة بدأ تشييدها سنة 1913 ، وهي ليست نقطة عبور للمسافرين وانتقالهم حسب وظيفتها الأولى، وإنما هي تحفة معمارية بديعة تختزل سحر الهندسة الأندلسية الموريسكية المغربية الأصيلة .
و منذ سنة 2013 ، ارتدت هذه المحطة حلة جديدة وتغيرت وظيفتها لتتحول من مرسى للقطارات إلى منارة ثقافية وجمالية تحتضن “متحف الفن المعاصر”، مخلدة بفضل حنكة فنانين تشكيليين تطوانيين من أمثال التشكيلي المرموق بوعبيد بوزيد ، إبداعات رواد الفن التشكيلي وأقطاب المدرسة التطوانية العريقة إلى جانب كبار الفنانين المعاصرين.
ومحطة القطار تحكي ،في حد ذاتها ، قصة تطوان التي عرفت عبر تاريخها الحديث تحولات مهمة في وسائل النقل والتنقل لم تشهد مثيلا لها إلا بعض المدن في المغرب المعدودة على رؤوس الأصابع، جعلتها تنتقل مع بداية العقد الثاني من القرن الماضي من مدينة تقليدية تعتمد على المشي والدواب والمسالك القديمة، إلى مدينة ارتبطت بالقطار، والحافلات، والنقل الكهربائي، والمطار، والمحطات الطرقية الحديثة .
والأهم في كل هذا أن محطات النقل في تطوان لم تكن مجرد مرافق لعبور المسافرين، بل كانت جزءا من ذاكرة المدينة، ومن تاريخها العمراني والاجتماعي والاقتصادي و السلوك الحضاري لساكنتها .
من محطة عبور إلى محراب للفنون:
بنيت محطة القطار القديمة ،التي ضم مسار سكتها الحديدية 8 محطات، انطلاقا من تطوان مرورا بالملاليين والمضيق والنيغرو ودار الريفيين والفنيدق وميرامار وصولا إلى ميناء سبتة السليبة بمسافة تقدر بـ 41 كلم ، لتكون صلة وصل جغرافية وكذا إنسانية ، لكن تصميمها المعماري جعل منها صلة وصل حضارية بامتياز تحكي أسرار هوياتية ووحدة الثقافة والحضارة والأرض والإنسان .
وتتميز البناية بأقواسها الحذوية المتقنة، وزخارفها الجصية التي تحاكي قلاع الأندلس، فضلا عن زليجها المغربي التقليدي الذي يضفي على فضاءاتها تناسقا لونيا بديعا يغلب عليه الأبيض والأخضر .
هذا التناغم المعماري جعل من المحطة ، التي انطلق العمل بها سنة 1918 وتوقف العمل بها سنة 1958 واقتني من أجلها من شركة “الكو” الأمريكية سنة 1916 عدد من القاطرات تسير بسرعة 60 كلم في الساعة وهي سرعة مذهلة في حينها وفي سنة 1925 تم اقتناء قاطرتين بخاريتين من صنع شركة “هينشيل ” الألمانية وقاطرتين كهربائيتين من شركة “مان ” الألمانية سنة 1954 ،مكانا مثاليا ليولد من رحمها متحف الفن المعاصر الشاهد بافتخار كبير على تاريخ الإبداع التشكيلي المغربي والأجنبي .
فعوض صوت صافرات القطارات وهدير المحركات، باتت قاعات المحطة تضج بصخب الألوان وهدوء اللوحات، حيث تم ترميم الفضاء بذكاء يحافظ على هويته التاريخية والأندلسية الأصيلة، وفي الوقت نفسه يجعله قادرا على احتضان المعارض الفنية الدولية والوطنية وفق أحدث معايير العرض الميكانيكي والضوئي .
حاضنة مدرسة تطوان والجيل المعاصر:
ولعل القيمة الكبرى لهذا المتحف تكمن في كونه يروي قصة الفن التشكيلي المغربي من خلال محطتين رئيسيتين: رواد المدرسة التطوانية ،ويضم المتحف أعمالا مرجعية لرواد الحركة التشكيلية بشمال المغرب، والذين تخرجوا أو أثروا في “المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان” (الذي أسسه الفنان الإسباني ماريانو بيرتوتشي).
هؤلاء الرواد الذين مزجوا بين التقنيات الغربية والأصالة المغربية الأندلسية، تاركين بصمة لا تمحى في تاريخ الفن الإنساني.
ثم الفنانون المعاصرون: فإلى جانب إرث الرواد، يفتح المتحف أبوابه لإبداعات كبار الفنانين المعاصرين من المغاربة ،يعرضون فيه لوحات ومنحوتات وطرق تعكس قضايا العصر برؤى تجريدية وسريالية وحديثة، مما يخلق حوارا بصريا وثقافيا حيا بين أصالة الماضي وجرأة الحاضر.
وقبل نحو ثمان سنوات ،وبمناسبة مرور مائة سنة على تدشين المحطة ، نظم معرض ضم نصوصا تاريخية وصورا توثيقية تفتح مسارات أخرى لمختلف الأجيال على الذاكرة التطوانية، نظرا لما شكلته هذه المحطة من أدوار اجتماعية واقتصادية وعسكرية أيضا .
و إن تحويل محطة القطار القديمة المقابلة لمنتزه “رياض العشاق ” إلى متحف للفن المعاصر ، هو تجسيد حي لعبقرية الاستثمار في التراث الثقافي.
لقد تحول المكان من فضاء كان ينقل الأجساد عبر الجغرافيا، إلى فضاء ينقل الأرواح والعقول عبر عوالم الجمال والفكر..ليبقى هذا المتحف شاهدا على أن تطوان لا تحرس تاريخها الأندلسي في المتاحف فحسب، بل تجعل منه أرضية صلبة ينطلق منها قطار الإبداع التشكيلي نحو المستقبل.
وهكذا، لم تعد محطة القطار القديمة بتطوان مجرد شريان يربط بين المدن، بل غدت جسرا يعبر بالزمن من ماضي السفر والترحال إلى حاضر الإبداع والجمال.
وتحول هذا الصرح المعماري الفريد إلى متحف للفن المعاصر يكرم على الدوام رواد مدرسة تطوان التشكيلية، ويحتفي بذاكرة بصرية تأبى النسيان ..فتوقف قطار المسافرين على هذا الرصيف منذ زمن، لكن قطار الفن والإلهام انطلق منه ليواصل رحلته نحو الأبدية ،لتتحول الجدران التي ضمت يوما حقائب المسافرين وحكايات رحيلهم، إلى فضاء يضم أثمن لوحات رواد التشكيل بالحمامة البيضاء.
والمكان دعوة مفتوحة لكل زائر لاستكشاف تلاحم فريد بين أصالة الهندسة المعمارية وعمق التعبير الفني، لتبقى هذه المعلمة منارة ثقافية تخلد هوية تطوان الإبداعية وتصون ذاكرتها الفنية للأجيال القادمة.

error: Content is protected !!