قصة نجاح تطوانية : عبد الواحد بن حساين تألق اللاعب ورؤية المدرب وسخاء المربي

بقلم :عبد العزيز حيون

عبد الواحد بن حساين هو من اللاعبين القلائل الذين ساهموا في صناعة أمجاد المغرب التطواني و ربيع النادي المكناسي والتتويج بالبطولة الوطنية ، قبل أن ينقل هذا الذكاء الكروي الفطري إلى دكة البدلاء كمدرب تَشَبع بعِلم كرة القدم ومربٍّ خلوق و قدير كون الأجيال وبنى العقوق قبل الأرجل .
و رغم أن مدينة تطوان كانت دائما زاخرة بتاريخ كروي حافل وأنجبت قامات شامخة حُفرت أسماؤها بمداد من الذهب في ذاكرة كرة القدم المغربية كمحمد العروسي ومصطفى البقالي وعبد السلام بلعربي (ميتي) وعابد عمار و مصطفى الجبلي وسعيد بن عمر واحميدو بوسلهام ويونس بلحمر وخالد ويونس بوطيار ولحسن أولاد اعمر (الروبيو) وعبد الخالق ونور الدين بنعزوز وجمال الدريدب وأمين الرباطي..يبقى عبد الواحد بن حساين اسما بارزا من بين هذه الأسماء المتميزة والمتفردة التي جمعت بين نبل الأخلاق، وعمق الفكر، والوفاء لقميص وشعار النادي .
فابن المدينة العتيقة لتطوان وعاشق منطقة أمسا ، الذي ولد سنة 1963 ، هو رياضي مرّ عبر ملاعب المغرب تاركا بصمته كإنسان خلوق ومداوم على عمله بجد واجتهاد ، ولكن بالخصوص هو مربٍّ فاضل، وصاحب نظرة تكتيكية ثاقبة وحس كروي تقني ذكي ،خطّ مسيرته بمداد التميز، ونال كلاعب شرف الفوز بالبطولة الوطنية التاريخية، ليمزج بين مجد التتويج داخل رقعة الميدان وحكمة القيادة من دكة البدلاء.
بدأ عبد الواحد بن حساين مسيرته الكروية كلاعب يقطر موهبة في صفوف فريقه الأم، المغرب أتلتيك تطوان، وتدرج في فئاته الصغرى حتى وصل للفريق الأول ،حيث أبان عن علو كعبه وذكائه الحاد في الممر الأيمن وخطي الدفاع والوسط حين تقتضي الضرورة ،ولم تتوقف طموحات هذا اللاعب الموهوب عند حدود البدايات، بل قادته رحلته الرياضية ليكون واحدا من صناع التاريخ في كرة القدم الوطنية، حيث عاش مع الفريق التطواني فترات الصعود والتنافس القوي في البطولة الوطنية، وكان يُعد من الأسماء المحبوبة لدى الجماهير التطوانية بفضل انتمائه الذي لا يتزعزع ووفائه الصلب لقميص المدينة.
كما نال كلاعب شرف الفوز بالبطولة الوطنية رفقة الجيل الذهبي للنادي المكناسي (الكوديم) الذي قاده المدرب المقتدر عبد القادر يومير و حقق إنجازا تاريخيا رفقة رفيق دربه (ومساعده اللاحق) جمال الدريدب، حيث فاز مع الفريق المكناسي بلقب البطولة الوطنية الاحترافية عام 1995 لأول مرة في تاريخ النادي ،و كان بن حساين في تلك الحقبة ضابط إيقاع حقيقي، يتميز بحسه التقني الذكي، ورؤيته الشاملة للملعب، وقدرته على قيادة زملائه نحو منصات التتويج بروحه القتالية وعزيمته الصلبة وإصراره العالي وعدم الاستسلام .
علاقة بن حساين بكرة القدم لم تقتصر أبدا على الجانب التنافسي أو الركض وراء الكرة فحسب، بل كان وما زال يرى في الرياضة رسالة تربوية لبناء القيم ..و لهذا السبب، عُرف وسط الجماهير واللاعبين بلقب “المربي” و”صانع فريق أحلام” المغرب التطاواني، إنه القائد الهادئ الذي منح الثقة لشباب المغرب التطواني في أوقات صعبة ، وغرس فيهم قيم الانضباط والروح الرياضية العالية، مما جعل منه نموذجا يحتذى به للأجيال الصاعدة داخل وخارج المستطيل الأخضر.
يُعرف بن حساين بنظرته الثاقبة في التنقيب عن المواهب والتأطير السليم والعلمي للفئات السنية (الشبان والأمل) ،ويعود له الفضل في تكوين و منح الفرصة كاملة لجيل ذهبي من اللاعبين الشباب الذين صعدوا للفريق الأول وحصدوا ألقابا في فئات الشبان.
والكل في تطوان يتذكر القصة الكروية الملهمة التي حدثت في مارس 2018، لما استدعي عبد الواحد بنحساين لإنقاذ المغرب التطواني بعد الانفصال عن المدرب يوسف فرتوت والفريق يحتل الرتبة الأخيرة في الترتيب العام ووضع الرجل الأولى في القسم الموالي ..وتحدى بنحساين الصعاب و”القيل والقال” وراهن في وقت حرج على أبناء النادي ومنحهم الثقة ليحقق “الريمونتادا التاريخية” ،ولم يكتف فقط بضمان البقاء في القسم الأول بل شَكل فريقا متجانسا قادرا على مواجة التحديات والصعاب و نافس كبار البطولة بدون “عقدة النقص”.
واشتغل بن حساين ، الذي ولج عالم التدريب من بابه العلمي الواسع وتمتلئ جعبته بدبلومات مرجعية بعد أن حصل على دبلوم “كلير فونطين” الشهير في فرنسا عام 1995 ودبلوم الدرجة الأولى من ألمانيا والشواهد التدريبية المعتمدة من الاتحاد الإفريقي والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم (دبلوم درجة أ “License A”) ،كمدرب مساعد إلى جانب الإطار الوطني عزيز العامري وساهم في التتويج التاريخي للمغرب التطواني بلقب البطولة الاحترافية لأول مرة والمشاركة في دوري أبطال إفريقيا سنة 2013 .
منذ بداية مسيرته التدريبية عرف عبد الواحد بن حساين ،الذي لقبه جمهور تطوان الذواق في بداياته الكروية ب”الجن” ، بالكفاءة التدريبية والنظرة التكتيكية الثاقبة ،وسعى دائما بحسه كمربي الى نقل ذكائه الكروي إلى عالم التدريب متسلحا بخبرته الطويلة كلاعب بطل وبشواهد علمية متقدمة ، ولعل المحطة الأبرز في مسيرته التدريبية كانت قيادته للمغرب التطواني في فترات دقيقة، حيث ظهرت بصمته كمدرب كفء لا يعرف معنى الهزيمة والنكوص السلبي والرجوع بخفي حنين.
تميز أداء الفرق التي أشرف على تدريبها بالتنظيم التكتيكي الصارم والانضباط الدفاعي الكبير والتحول الهجومي السريع والذكي،كما تميزت فلسفته في تدبير الفرق بمنح الفرصة كاملة للظهور والتألق للاعبين الشباب حتى عرف في الوسط الإعلامي الوطني ب”المُكَون”،والقليل من المدربين المغاربة من نال شرف هذه التسمية كالراحل عبد الخالق اللوزاني والراحل مصطفى مديح وعبد الله السطاتي وعبد الغني الناصري وعبد الهادي السكتيوي و مصطفى شهيد (الشريف) وفتحي جمال وجمال السلامي …
ويظل عبد الواحد بن حساين نموذجا حيا للإطار الوطني المتكامل الذي يجمع بين أمجاد الماضي كلاعب بطل نال درع البطولة الوطنية، وحكمة الحاضر كمدرب ومربٍّ قدير يزرع الأخلاق الفضلى في نفس الإنسان قبل اللاعب ،ويجعل من نفسه القدوة الحسنة وصاحب الرسالة الإنسانية النبيلة، الذي يغرس القيم في النفوس بالحب والصدق في العمل ونكران الذات والحكمة قبل التعليم الأكاديمي .
إن مسيرة عبد الواحد بن حساين الحافلة بالعطاء تشهد على أن النجاح في عالم كرة القدم لا يُقاس بالصدفة، بل بالفكر الرصين، والأخلاق العالية، والوفاء للمهنة، متجاوزا المظاهر السطحية والأرقام العابرة ..و هو الذي يعتبر أن النجاح الحقيقي هو بما نملكه لا بما نغيره في فترات عابرة .
و بن حساين ، اللاعب والمدرب والمربي ، سيبقى دائما فخرا لمدينتي تطوان ومكناس وللكرة المغربية عامة، وعنوانا بارزا للذكاء التقني والتكتيكي الذي تستلهم منه الأجيال .

error: Content is protected !!