أفران تطوان التقليدية: نبض المدينة القديمة ومعمارها الحي

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تُعدّ المدينة القديمة لتطوان، المصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو سنة 1997، متحفا حيا مفتوحا ينبض بالتاريخ والهندسة المعمارية الأندلسية /المغربية الأصيلة ،ويتجلى تفرد هذا المعمار في كل زاوية المدينة ويتميز ببساطة الخارج وثراء الداخل.
وفي قلب هذه الأزقة الضيقة والمحتضنة للذاكرة، تبرز الأفران التقليدية “الفَرّان” (حسب اللهجة التطوانية) كواحدة من أهم المرافق المعمارية والاجتماعية والخدماتية التي شكلت الحياة اليومية لأهل تطوان على مر القرون وشكلت أيضا مقياس الحياة الاجتماعية والتآزر والتكافل.
تتميز الأفران التقليدية بمدينة تطوان ،مقارنة بالأفران التي تعج بها المدن المغربية العتيقة ، بتصميم معمار وهندسة حرارية خاصة صُممت لضمان النجاعة العالية في استغلال الطاقة الحرارية والمساحة المحدودة في النسيج العتيق..
فهناك قبة الحطب وبيت النار،و تُبنى الأفران عادة من الطوب الحراري والطين الممزوج بمواد طبيعية محلية تحفظ الحرارة لفترات طويلة،و تتخذ غرفة الطهي شكل قبة منخفضة لضمان توزيع متجانس للحرارة الصادرة من جمر حطب الخروب أو الزيتون أو نباتات أخرى تزخر بها ضواحي مدينة تطوان ،والتي لها خاصية الاشتعال البطيئ والمتوازن دون دخان كثيف .
كما في “الفَران” التقليدي “البيت الفوقاني” و”البيت التحتاني” ،ما يعني أن “الفران” يتكون من مستويين، مستوى سفلي يُخصص لبيت النار وتخزين الحطب، ومستوى علوي يُستخدم لإعداد العجين واستقبال الصواني (الوْصالي)، مما يعكس استغلالا ذكيا للمساحة العمودية.
و “بيت الفران” ، هو مساحة مخصصة للجلوس والانتظار، وتعتبر نقطة التفاعل الاجتماعي الأولى داخل هذا المرفق البالغ الأهمية في الحياة العادية للإنسان التطواني في أفراحه كما في لحظات الأتراح.
ولم يكن اختيار موقع الفرن التقليدي في أحياء تطوان (مثل العيون، الجنوي، السويقة، والمطامر والمطمار والطرانكات والطالعة ..) عشوائيا، بل خضع لمعايير عمرانية دقيقة ،منها مفهوم “الحومة” و”المرفق الثلاثي” ،بحيث يُبنى الفرن عادة في مركز كل حومة (حي)، بالقرب من المسجد والحمام التقليدي. و هذا التوزيع الثلاثي يُحقق الاكتفاء الذاتي المباشر للساكنة ويدمج كل مرفق في محيطه الاجتماعي والاقتصادي والخدماتي ويحقق مبدأ القرب في تقديم الخدمات بوعي اقتصادي ذكي ..وهي تضمن خطوط التدفئة وتوريد الحطب.
وتقع الأفران عند تقاطع الأزقة الرئيسية للحي لضمان سهولة وصول الأطفال خاصة بأمان أثناء حمل “وصلة الخبز”(لوائح خشبية ينقل عليها العجين ثم الخبز الطازج)، بعيدا عن صخب الأسواق الكبرى والسير المكثف .
وتجاوزت الأفران دورها الوظيفي في طهي الخبز لتصبح أيضا شريانا اجتماعيا واقتصاديا رئيسيا، يتجلى في كون “الفران” بمثابة ملتقى يومي غير رسمي، يتبادل فيه الجيران الأخبار والتفاصيل اليومية..كما شكل “الفرّان” دائما “شخصية معنوية و مرجعية” في الحي، يُعرف بأمانته وكتمانه لأسرار البيوت، ويُعرف خبز كل عائلة وحومة دون حاجة لعلامات ملموسة.
ومُراعاة للقدرة المادية للأسر ،سادت في الأفران تقاليد للتكافل، حيث كان يُكتفى بمقابل مادي بسيط ، مع إعفاء العائلات المعوزة أو أخذ قطعة خبز صغيرة بدلا من المال (البُويَة)..كما مكنت الأفران الساكنة من الاعتماد على الخبز المنزلي بتكلفة منخفضة جدا مقارنة بالمخابز العصرية .
وارتبطت الأفران التقليدية في تطوان ارتباطا وثيقا بالمناسبات الدينية والاجتماعية وشكلت حارسا للذاكرة الشفهية و”المطبخية”،ففي أعياد الفطر والأضحى والأعراس ومناسبات أخرى خاصة ،موسمية و طارئة، تتحول الأفران إلى خلية نحل لطهي الحلويات التطوانية العريقة ،مثل “الفقاقص” و”الكْعَب ” و” المْلوزة” و”الغريبية” و”بشكوتو بويوات” و”بشكوتو خبزة” و”البقلاوة ” و”البوروك د الجْداد” و”المْحَنْشة” …
كما تخصصت الأفران التقليدية ،في رمضان على وجه التحديد ، في طهي الأطباق ، مثل “طواجين الحوت “و السلاطات في جمر الفرن الهادئ بعد الانتهاء من طهي الخبز، وهي عادة طهوية تحافظ على نكهة الزمان الجميل وتجعل الطعم البسيط في غاية اللذة وطيب المذاق.
وفي العرف المحلي شكلت الأفران مؤسسة ل”صون القيم” وغَرَس الفرن التقليدي قيم الصبر، و الاحترام المتبادل، والتعاون بين الجيران، حيث يتعلم الصغار احترام “النوبة” (الدور) والعناية ب”نِعمة” الخبز ويساعدون ربات البيوت في إيصال “الوصلات” تكريما للمرأة .
و كان “الفران” بمثابة “وكالة أنباء” محلية، فمن خلال نوع الخبز أو كميته، كان الجيران يعرفون من لديه ضيوف، ومن يحتفل بمناسبة، ومن يمر بضائقة.
كما قام “الفران” بدور “الإحسان الخفي” ،و كان من العادات الأصيلة ترك “خبيزة” (البُويَة) أو جزء من العجين لفقراء الحي أو عابري السبيل، وهي عملية تتم بتنسيق “صامت” مع صاحب الفرن.
و لم يكن “الفران” يرفض طلبا حتى لمن لا يملك ثمن “الطرح” (أجرة الطهي)، فالتضامن كان مقدما على الربح المادي قبل أن تتغير المفاهيم والقناعات وأولويات الحياة والقيم والأخلاق .
وارتباطا بالتدبير البيئي للأفران ،كان الرماد الناتج عن احتراق الخشب يُستخدم قديما في بعض الصناعات التقليدية أو كمادة للتنظيف، مما يعكس دورة اقتصادية متكاملة واستغلال الموارد الطبيعية دون إتلافها ،قبل أن تبرز شعارات بيئية رنانة لا يطبق منها إلا القليل .
و ختاما ، تظل أفران تطوان التقليدية أكثر من أنها مجرد أماكن لإنضاج الخبز ومعلمة معمارية قديمة تؤثث المشهد العمراني العام وتقوم بأدوار خدماتية واقتصادية بسيطة وصرفة ،بل إنها رمز للهوية الحضارية المغربية والأندلسية الأصيلة للمدينة العتيقة.
وعلى الرغم من زحف المخابز الحديثة، فإن الصمود المستمر لبعض هذه الأفران ، فران “القصبة” وفران “أمحلي” وفران “المسلس” وفران “زنقة المقدم ” وفران “زنقة القايد أحمد” وفران “السويقة” وفران “الطالعة”..،يقدم شهادة حية على قيمة التراث الحي الذي يجمع بين عبقرية الهندسة، ودقة التخطيط العمراني، وعمق العلاقات الإنسانية.

error: Content is protected !!