ليس من الحكمة أن تُبنى الشراكات بين الدول على قاعدة أن يؤدي طرف وظيفة الحارس، بينما يحتفظ الطرف الآخر لنفسه بحق تحديد شروط التعاون وحدوده وتوقيته.
فالدول، في عالم اليوم، لا تُقاس فقط بموقعها الجغرافي، ولا بحجم اقتصادها، ولا بقدرتها الأمنية، وإنما كذلك بقدرتها على حماية سيادتها، وصيانة مصالحها، والتعامل مع شركائها بمنطق الندية والاحترام المتبادل.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، ينبغي أن تُقرأ العلاقة المغربية الإسبانية؛ علاقةٌ انتقلت، بفضل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، من مراحل التوتر وسوء الفهم إلى فضاء أوسع من التعاون والحوار وتبادل المصالح. وقد أثبت المغرب، في أكثر من مناسبة، أنه شريك مسؤول، موثوق وواعٍ بأن أمن المتوسط ومصالح شعوبه لا يمكن أن تُحمى إلا بتعاون متوازن، قائم على الثقة والاحترام.
لكن الشراكة لا تعني أن يتحول المغرب إلى حائط صد عن غيره، ولا أن يُختزل دوره في وظيفة أمنية تُستدعى كلما ارتفع منسوب الضغط السياسي أو الإعلامي في الضفة الشمالية للمتوسط.
المغرب دولة ذات سيادة، لها حساباتها الوطنية ومصالحها الاستراتيجية وقرارها المستقل، وهي تتعاون مع إسبانيا لأن التعاون يخدم مصالح البلدين والشعبين، وليس لأن المملكة مطالبة بأن تؤدي دور حارس حدود بالوكالة.
لقد أظهر المغرب، بقيادة جلالة الملك ، نضجًا استراتيجيًا جعل من المملكة فاعلًا أساسيًا في محيطها الإقليمي والدولي. ولم تعد الرباط تتعامل مع ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة العابرة للحدود بمنطق رد الفعل أو تقديم الخدمات للآخرين، بل بمنطق الدولة التي تعرف جيدًا أين تبدأ مسؤولياتها وأين تنتهي.
وهنا تكمن أهمية الدور الذي تضطلع به السلطات العمومية والأجهزة الأمنية المغربية، التي راكمت خلال السنوات الأخيرة تجربة مهنية جعلت المغرب شريكًا يحظى بثقة دولية واسعة. وقد أثبتت هذه المؤسسات، في أكثر من محطة، أنها تتحمل مسؤولياتها بكل جدية، وتحمي الحدود والمصالح المغربية، وتتعاون مع الشركاء عندما يكون التعاون متبادلًا ومتوازنًا.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا الموقف باعتباره رفضًا للتعاون مع مدريد؛ بل على العكس تمامًا. إن المغرب يدرك أن إسبانيا جار استراتيجي وشريك أساسي، وأن الملفات المشتركة بين البلدين كثيرة ومتداخلة، من الهجرة والأمن إلى الاقتصاد والاستثمار والتبادل التجاري والثقافي.
غير أن قوة العلاقات المغربية الإسبانية لا ينبغي أن تُقاس بعدد المرات التي يمنع فيها المغرب أزمةً عن إسبانيا، وإنما بمدى قدرة البلدين على بناء شراكة متوازنة، يتقاسم فيها الطرفان المسؤوليات، ويتحمل كل طرف نصيبه من الأعباء، ويحترم كل طرف سيادة الآخر وقراراته الوطنية.
فالهجرة، مثلًا، ليست ملفًا مغربيًا فقط، والأمن في غرب المتوسط ليس مسؤولية الرباط وحدها، كما أن حماية المعابر الحدود الأوروبية لا يمكن أن تتحول إلى مهمة مغربية دائمة، تُقاس فيها جودة العلاقات بمدى استعداد المغرب لتشديد الرقابة أو تحمل أعباء إضافية.
إن الحدود الأوروبية تبدأ، من الناحية الجغرافية، داخل أوروبا؛ أما المغرب فله حدوده وسيادته وأولوياته.
ولذلك فإن أي مقاربة تقوم على تحميل الرباط مسؤولية أكبر من مسؤوليتها، أو التعامل معها باعتبارها جهازًا أمنيًا موضوعًا تحت الطلب، هي مقاربة لا تخدم مستقبل العلاقات بين البلدين.
لقد تغير المغرب كثيرًا.
والمملكة التي يقودها جلالة الملك محمد السادس ليست مغرب الأمس؛ إنها دولة واثقة من نفسها، متشبثة بسيادتها، منفتحة على العالم، وقادرة على أن تقول “نعم” عندما تكون المصلحة المشتركة حاضرة، وأن تقول “لا” عندما تتعارض المطالب مع مصالحها أو كرامتها الوطنية.
وهذه ليست لغة التصعيد، وإنما لغة الدولة والمنطق الصحيح للتعاون المتوازن .
كما أن الدبلوماسية المغربية، التي أثبتت خلال السنوات الأخيرة قدرة لافتة على إدارة الملفات المعقدة، لا تتحرك بمنطق الانفعال، ولا تبحث عن الأزمات، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن تتحول الشراكات إلى علاقات غير متكافئة. إنها دبلوماسية هادئة، محسوبة، تعرف قيمة الحوار، لكنها تعرف أيضًا قيمة السيادة.
لقد نجح المغرب في أن يجعل من موقعه الجغرافي الاستراتيجي عنصر قوة، لا نقطة ضعف. فهو بوابة نحو إفريقيا، وجسر بين ضفتي المتوسط، وشريك اقتصادي وأمني وسياسي للعديد من القوى الدولية. ومن الخطأ أن يُنظر إليه فقط من خلال عدسة الهجرة أو مراقبة الحدود.
المغرب أكبر من أن يُختزل في ملف الهجرة.
وأكبر من أن يُختصر في وظيفة أمنية.
وأكبر من أن يكون حائط صد لمشاكل الآخرين.
إن المملكة المغربية شريك، وليست حارسًا بالوكالة.
والشراكة الحقيقية لا تقوم على الإملاءات، ولا على الضغط، ولا على محاولة نقل كلفة الأزمات الداخلية إلى الخارج، وإنما تقوم على التفاهم والاحترام والندية وتوزيع المسؤوليات.
ومن مدريد تحديدًا، ينبغي أن يكون هذا المعنى واضحًا.
فكلما كانت إسبانيا قوية في علاقتها مع المغرب، كان المغرب أقرب إلى التعاون معها.
وكلما احترمت مدريد المصالح المغربية وخصوصيات المملكة وسيادتها، أصبحت الشراكة أكثر رسوخًا واستدامة. أما محاولة تحويل التعاون إلى التزام أحادي الجانب، أو اعتبار المساعدة المغربية أمرًا مفروغًا منه، فلن تؤدي إلا إلى إضعاف الثقة التي تمثل أساس أي علاقة استراتيجية.
لقد اختار المغرب، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، منطق اليد الممدودة، والحوار، والتعاون، والانفتاح. لكنه اختار في الوقت نفسه منطق الدولة التي لا تتنازل عن سيادتها، ولا تسمح بأن تُدار مصالحها بمنطق الضغط.
وهذه المعادلة ليست موجهة ضد إسبانيا، بل هي في الحقيقة الضمانة الحقيقية لمستقبل العلاقات المغربية الإسبانية.
فالمغرب لا يريد حدودًا متوترة، ولا يريد أزمة مع جارته الشمالية، ولا يبحث عن التصعيد. إنه يريد شيئًا أكثر بساطة ووضوحًا: شراكة محترمة بين دولتين ذات سيادة، لكل منهما مسؤولياتها ومصالحها وقراراتها.
ذلك هو الطريق الأكثر عقلانية.
وذلك هو أيضًا الطريق الذي ينسجم مع التحول الكبير الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة.
فمرة أخرى المغرب ليس حائط صد.
وليس مرة أخرى حارس حدود بالوكالة.
وليس مرة أخرى جهازًا أمنيًا موضوعًا تحت الطلب.
المغرب دولة شريكة، وعندما تكون الشراكة متوازنة، فإنها تكون أقوى من أي ضغط، وأبقى من أي ظرف سياسي عابر.
ومن مصلحة مدريد، قبل غيرها، أن تدرك هذه الحقيقة.