حين تصبح الرواية الوطنية جزءاً من معركة السيادة
هالة انفو. مقال رأي بقلم : محمد العربي العشيري
لم تعد معارك الدول تُحسم فقط على طاولات التفاوض، ولا في قاعات المؤسسات الدولية، ولا في الميدان السياسي والدبلوماسي وحده. لقد انتقلت جبهة أساسية من جبهات الصراع إلى فضاء آخر أكثر اتساعاً وأسرع تأثيراً: فضاء الإعلام والرأي العام والرقمي. وفي هذا الفضاء تحديداً، لا يكفي أن تكون على حق؛ بل ينبغي أن تكون قادراً على شرح حقك، وتقديم حجتك، وحماية صورتك، وبناء روايتك قبل أن يبنيها الآخرون نيابة عنك.
وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعلام وطني قوي، مهني، متماسك، واثق من نفسه، ومتمكن من أدوات العصر. فالمغرب الذي راكم خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة، ومشاريع استراتيجية كبرى، ومواقف واضحة في محيطه الإقليمي والدولي، لا يمكن أن يترك إنجازاته ومواقفه عرضة للتأويل أو التشويه أو الاختزال، ولا أن يسمح لخصومه باحتكار المنابر التي تُصنع فيها الانطباعات وتُوجَّه فيها الأسئلة وتُرسم فيها الصور.
إن بناء السردية الوطنية ليس دعوة إلى إعلام يردد الخطاب الرسمي، ولا إلى صحافة تتحول إلى أداة للدعاية. على العكس تماماً؛ الإعلام القوي هو الإعلام الذي يمتلك استقلالية مهنية تجعله أكثر قدرة على الدفاع عن الحقيقة، وأدوات معرفية تمكنه من تفكيك المغالطات، وجرأة تسمح له بطرح الأسئلة، وكفاءة تجعله قادراً على تقديم المعلومة في وقتها وبالحجة والوثيقة.
فالدفاع عن المصالح الوطنية لا يبدأ دائماً من البيانات الرسمية، وإنما يبدأ من امتلاك المعلومة، ومن سرعة الوصول إليها، ومن القدرة على التحقق منها، ومن تقديمها بلغة يفهمها المواطن المغربي كما يفهمها المتلقي في الخارج. وفي زمن أصبحت فيه صورة بلد بأكمله قابلة للتشكيل في دقائق عبر منصة رقمية، فإن التأخر في التواصل لم يعد مجرد ضعف مهني، بل قد يتحول إلى كلفة استراتيجية.
ولذلك، فإن المغرب في حاجة إلى منظومة إعلامية حديثة لا تكتفي بتغطية الأحداث، وإنما تفسرها وتضعها في سياقها وتستشرف تداعياتها. منظومة تستثمر في الصحفي، وفي الباحث، وفي المترجم، وفي الخبير، وفي صانع المحتوى الجاد، وفي الرصد الإعلامي والرقمي، وفي أدوات الذكاء والتحقق من الأخبار، وفي التواصل بلغات متعددة. فالمعركة اليوم ليست فقط على من يملك المعلومة، وإنما على من يصل بها أولاً، ومن يقدمها أفضل، ومن يقنع بها أكثر.
وإذا كان خصوم المغرب قد أدركوا منذ سنوات أهمية الصورة والرواية والتأثير الرقمي، فإن المطلوب هو أن ندرك نحن أيضاً أن السيادة في زمن الاتصال لا تحميها الحدود وحدها، بل تحميها كذلك القدرة على امتلاك الرواية الوطنية والدفاع عنها.
لقد أصبح الصمت فراغاً، والفراغ لا يبقى فارغاً. وكل مساحة لا يملؤها الإعلام الوطني المهني، سيحاول آخرون ملأها برواياتهم وتأويلاتهم وأجنداتهم. ومن هنا، فإن تقوية الإعلام المغربي ليست امتيازاً لقطاع مهني، ولا ترفاً في زمن الرخاء؛ إنها استثمار في صورة المغرب، وفي وعي المغاربة، وفي حماية مصالح المملكة وموقعها.
إن المغرب الذي يعرف كيف يبني المشاريع الكبرى، ويصنع التحولات، ويؤكد حضوره في محيطه، مطالب أيضاً بأن يمتلك إعلاماً يواكب هذه الدينامية، ويشرحها، ويوثقها، ويقدمها للعالم بلغة العصر.
ففي زمن تتصارع فيه الدول على النفوذ كما تتصارع على العقول، لم تعد الرواية الوطنية هامشاً في معركة المصالح؛ لقد أصبحت جزءاً من السيادة نفسها.