لم يكن مثول رئيس الحكومة الإسبانية أمام البرلمان في جلسة الخميس 3 شتنبر ، وهو يستنفر الخطاب السياسي والأمني دفاعا عن سبتة، مجرد نقاش عابر حول الهجرة أو أمن الحدود؛ فقد كشف، مرة أخرى، أن قضية الثغرين المحتلين ما تزال جرحا مفتوحا في الضمير الوطني المغربي، وأن مدريد، مهما حاولت تغليف واقع الاحتلال بلغة المؤسسات الأوروبية، تدرك جيدا أن القضية لم تُدفن، وأن التاريخ لا يسقط بالتقادم.
حين يقف رئيس الحكومة الإسبانية في قلب المؤسسة التشريعية ليؤكد أن سبتة ومليلية جزء من السيادة الإسبانية، فإن الرد المغربي لا يحتاج إلى كثير من البلاغة: السيادة الوطنية ليست موضوعا للمساومة، والوحدة الترابية للمملكة ليست ملفا قابلا للتفاوض تحت ضغط الظرفيات السياسية أو الحسابات الانتخابية.
لقد اختارت مدريد أن تنقل النقاش إلى البرلمان، وأن تستدعي الاتحاد الأوروبي، وأن تتحدث عن الحدود الأوروبية والأمن والهجرة، وكأن الجغرافيا قادرة على محو التاريخ، وكأن تحويل الاحتلال إلى أمر واقع يمكن أن يمنحه، مع مرور الزمن، شرعية لا يملكها.
لكن المغرب لا ينظر إلى سبتة من نافذة الأمن الإسباني، ولا من حسابات الهجرة الأوروبية، بل ينظر إليها من موقع الحقيقة التاريخية والجغرافية والوطنية. سبتة أرض مغربية، كما أن مليلية أرض مغربية، وما سوى ذلك واقع مفروض لا يغير من جوهر الحقيقة شيئا.
وإذا كانت مدريد قد اختارت أن تجعل من البرلمان منصة لتجديد خطابها حول “السيادة الإسبانية”، فإن من حق المغاربة أن يتساءلوا: لماذا كل هذا الاستنفار؟ ولماذا كل هذا القلق كلما عاد ملف الثغرين إلى واجهة النقاش؟
الجواب بسيط: لأن قضية سبتة ومليلية لم تمت.
ولأن المغرب الذي يواصل، بثقة وهدوء، ترسيخ مكانته الإقليمية والدولية، لم يعد ذلك البلد الذي يمكن اختزال علاقاته مع الجوار في منطق الوصاية أو الأمر الواقع. المغرب اليوم يتحدث من موقع دولة ذات سيادة، تعرف مصالحها، وتدافع عن وحدتها الترابية، وتدرك أن بناء علاقات متوازنة مع شركائها لا يعني بأي حال التخلي عن حقوقها التاريخية.
إن إسبانيا مطالبة، قبل أن تطلب من الآخرين احترام حدودها، بأن تدرك أن الاحترام المتبادل لا يمكن أن يكون انتقائيا. فالشراكة الحقيقية لا تُبنى على ازدواجية المعايير، ولا يمكن أن تكون الصداقة المغربية الإسبانية قوية حين يتعلق الأمر بالمصالح الاقتصادية والأمنية والهجرة، ثم تتحول إلى جدار إسمنتي حين يصل النقاش إلى سبتة ومليلية.
لقد تغير المغرب، وتغيرت موازين كثيرة من حوله. وما كان يبدو للبعض حقيقة أبدية لم يعد كذلك. أما التاريخ، فإنه لا يحتاج إلى بيانات برلمانية كي يتذكر أصحابه.
سبتة ليست ورقة تفاوض، وليست هدية من التاريخ، وليست حدودا أبدية رسمها القدر. إنها قضية وطنية مغربية ستظل حاضرة، مهما طال الزمن، ومهما ارتفعت في مدريد أصوات الدفاع عن الأمر الواقع.
وفي انتظار أن يدرك العقل السياسي الإسباني أن المستقبل لا يبنى بإعادة إنتاج الماضي، سيظل الموقف المغربي واضحا: علاقات حسن جوار، وشراكة متوازنة، واحترام متبادل… لكن دون التفريط في شبر واحد من التراب الوطني.