طقوس رمضان بتطوان تُعيد إحياء مهن وحرف تقليدية

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

مدينة تطوان، بعبقها الأندلسي وتاريخها العريق، تُحافظ على طقوس رمضانية خاصة تُعيد إحياء مهن وحرف تقليدية تزهو في هذا الشهر الفضيل.
فهناك مهن وحرف كثيرة تنبض بالحياة في تطوان خلال شهر رمضان ،وهو ما تتقاسمه مع كثير من المدن المغربية العريقة التي لها نفس الخلفية التاريخية والتطور الحضاري المتوازن والتقاليد التجارية والعادات الاجتماعية .
فلا يكتمل ليل تطوان دون صوت “النفار” و “الغياط”، وهما الشخصان الذان يجوبان عادة أزقة المدينة مرتديان الزي التقليدي، لينفخا في آلتيهما الموسيقية التقليدية ،وهي مهنة ترتبط بالبركة والتطوع أكثر من كونها وظيفة تجارية تؤمن لصاحبها مدخولا قارا أو على الأقل مدخولا معينا خلال الشهر الفضيل .
وما يقدم للنفار والغياط من مال أو “هدايا” عينية تندرج في إطار المساعدة الاجتماعية والصدقة وتبجيل “أصحاب البركات” ،الذين يرسمون البهجة على محيا الصائم ،ومن باب الحفاظ على التقاليد الأصيلة التي تمنح الحياة نكهة خاصة في المدن العتيقة وتعزز الروابط بين الساكنة .
و تتحول أسواق المدينة ،خلال شهر رمضان وقبله بقليل ،إلى خلية نحل لإنتاج حلويات لا تغيب عن المائدة التطوانية، فينتشر هنا وهناك بائعو “الشباكية” وباقي الحلويات المُعسلة التي تُصنع بدقة مُتناهية لتلائم الأذواق ،وكذا صناع المواد المكونة ل “السفوف” ،حيث يزداد الطلب على طحن اللوز والسمسم وتجهيز المكونات ، وكذا بائعو “البريوات” و”المحنشة” وما الى ذلك التي تشتهر بها مدينة تطوان، والتي تقبل عليها العائلات التي إما أنها لا تُتقن صناعة الحلويات أو التي ليس لديها الوقت للاستعداد لرمضان أو العائلات الوافدة التي تريد استكشاف خبايا حلويات تطوان الأصيلة .
كما يبرز في رمضان دور الخياطة التقليدية (خياط الطرز التطواني).
و بما أن تطوان مدينة الأناقة، يزداد الضغط على الخياطين التقليديين لتجهيز “الجلابة” و “القندورة” و “الجبادور” إما للتأنق خلال رمضان أو ليوم العيد .
والتطوانيون يحرصون على ارتداء اللباس التقليدي في يومهم الرمضاني وصلاة التراويح وفي ليلة القدر ، مما يجعل المحلات المعنية في ذروة نشاطها.
و في الساعات التي تسبق الإفطار، تنتعش مهنة “صانعي” الرغايف و التي تعد ركيزة من الركائز الأساسية لمائدة السحور ،وكذا حال “البغرير” الذي يستهلك بكثرة في وجبات الفطور والسحور ،وتنضاف الى هذه المعجنات المغربية التقليدية “الحرشة” بنكهتها الشمالية الخاصة التي بدأت تسوق في تطوان بداية الثمانيات من القرن الماضي.
وإضافة الى ذلك ،تنتعش تجارة العطارة بشكل كبير ،حيث تبحث النساء عن أفضل أنواع “الحْنُوط” (المواد المعطرة باللهجة التطوانية) لتحضير “الحريرة” التطوانية الأصيلة وما الى ذلك من وجبات خاصة ، بالإضافة إلى تجارة “التمور” التي يتم استيراد أجود أنواعها لتزيين الموائد وتختلف باختلاف مصدرها وأثمنتها .
وما يميز هذه المهن هو امتزاجها ب”التاويل” التطواني ( اللباقة والإتقان) ، وتجد الباعة يحرصون على جمالية العرض ونظافة المحلات بشكل لافت .
و رغم أن مدينة تطوان تُعد من بين أكثر المدن المغربية ،كفاس ومكناس والرباط وسلا ومراكش، حفاظا على تراثها العريق، لكن عجلة الزمن وتغير نمط الحياة جعلت بعض المهن اليدوية والتقليدية التي كانت تُزهر في رمضان تتوارى عن الأنظار أو تصبح مُجرد ذكريات يحكيها الأجداد.
وتحولت بعض المهن من وظيفة أساسية خلال رمضان المبارك إلى استعراض فلكلوري موسمي.
وفي هذا السياق ،لابد من الإشارة الى أن بعض المهن عرفت الأفول ،ولعل أبرزها حرفة صانع البخور ،بعد أن كان رمضان تطوان يرتبط برائحة “العود” و”الند” وتقطير الأعشاب لتنظيف المساجد والبيوت.
وعرفت تطوان فئة من الحرفيين المتخصصين في خلط البخور التطواني يدويا بمكونات طبيعية (المسكة الحرة، العود، الصندل) تتميز برائحتها الدافئة والناعمة المستدامة ..فيما يتم اليوم شراء البخور الجاهز والمُعلب المستورد في غالبه ، واختفت تلك “الخلطات السرية والسحرية” التي كانت تُصنع يدويا في دكاكين خاصة بالمدينة العتيقة.

error: Content is protected !!