متحف “دار العدي ” بتطوان: مرآة الذاكرة العائلية وتحولات الحاضرة الأندلسية

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تُعتبر مدينة تطوان، معقلا للحضارة الأندلسية-المغربية العريقة، حيث تتنفس أزقتها وعمارتها تاريخا يمتد لقرون..وفي قلب هذه الحاضرة، تبرز المبادرات الثقافية الخاصة كجسر يربط بين الماضي والحاضر.
ويأتي متحف ” دار العدي ” كأحد أبرز هذه المعالم العائلية التي تجاوزت قيمتها النطاق الأسري الضيق، لتصبح متحفا حيا يروي قصة تطور ونمو وتحول المدينة، مستعرضا عاداتها وتقاليدها وأسلوب الحياة فيها من زوايا تتداخل فيها اللمسة الشخصية بالذاكرة الجماعية.
و تأسس متحف ” دار العدي” سنة 2018 ، بفضل شغف وجهود عائلية واعية بأهمية الحفاظ على الذاكرة ،و لم يكن الهدف فقط هو تجميع مقتنيات قديمة، وإنما تقديم قراءة بصرية واجتماعية لتاريخ تطوان من زاوية حضور عائلة أراد أفرادها تقاسم كنوز وأسرار تطوان في مجالات تستقطب اهتمام الناس .
و يعكس المتحف من خلال معروضاته كيف نمت المدينة وتوسعت عبر الأجيال، وكيف تفاعلت العائلات التطوانية مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها المنطقة، مبرزا الانتقال السلس من نمط العيش التقليدي إلى العصرنة دون فقدان الهوية.
و يقدم المتحف لزائره رحلة غامرة في عمق “التطوانية” كأسلوب حياة وتقاليد أصيلة ،ومن خلال أجنحته، يمكن معاينة وتتبع تطور اللباس التقليدي الذي يعكس دقة التطريز والجاه والوقار ، و توثيق عادات أهل تطوان، منها حتى عادات الطبخ وتدبير شؤون الحياة ،و استعراض الأثاث الذي أبدعته أنامل الصانع التقليدي المغربي ..مما يبرز ذوق العائلات التطوانية في تأثيث فضاءاتها الخاصة.
ولعل ما يميز متحف ” دار العدي” هو هذه الثنائية الذكية في الطرح ،من جهة الزاوية الشخصية ، وتتمثل في الصور الفوتوغرافية والمذكرات و الوثائق التي تعطي للثقافة طابعا إنسانيا دافئا وحميميا ، ومن جهة أخرى الزاوية الجماعية ،وتتحول هذه المعروضات الشخصية تلقائيا إلى شهادات حية على أسلوب حياة مجتمع بأكمله وتاريخ المدينة من زوايا غير عادية . فصور خاصة في فناء منزل تطواني لا تمثل عائلة العدي وحدها، بل تلخص المعمار المشترك، والعلاقات الأسرية، ونمط العيش السائد في المدينة ككل منذ نشأتها .
وأرى شخصيا أن القيمة الحقيقية لمتحف ” دار العدي ” لا تقف عند حدود الحفاظ على عرضه المتنوع ، بل تكمن في كونه “رسالة مفتوحة ومبادرة ريادية” تدعو عائلات تطوان العريقة للسير على المنوال ذاته.
فالذاكرة التطوانية جزء منها ، بالفعل ، ملك لفرد أو عائلة ذات جاه وحضور في مجالات معينة للحفاظ على إرث الأجداد وإعادة إحيائه ومنح الفرصة للأجيال الصاعدة للاطلاع على نمط العيش القديم، و لكن هي أيضا فسيفساء تتشكل من مساهمات كل بيت وأسرة أندلسية استقرت في هذه المدينة الأصيلة لتشكل تاريخ المنطقة ،الذي قد يتقاطع و يشبه تاريخ الكثير من حواضر المغرب ،إلا أن له في واقع الحال خصوصياته التي لا تشبه بالضرورة الاخريات .
ومن هذا المنطلق، يطرح المتحف ، الذي يقع على مقربة من “حمام أمحلي” أحد أعرق الحمامات الشعبية بمدينة تطوان القديمة ، نموذجا يحتذى به يشجع الأسر الأخرى على نفض الغبار عن الكنوز الدفينة وإخراج المخطوطات، والصور، والأثاث، والقطع الأثرية من الصناديق المغلقة وعرضها بطرق علمية ومتحفية تصون الذاكرة ،ولما لا تأسيس شبكة متاحف عائلية عبر تحويل المنازل التاريخية بالمدينة العتيقة إلى نقاط جذب سياحي وثقافي يعيد النبض للمدينة القديمة ويسهم في تنميتها المستدامة.
إن متحف ” دار العدي” بتطوان ،الذي يعد إحدى الركائز الثقافية المثيرة للاهتمام ، هو بالفعل خزانة للماضي، ولكن أيضا هو مؤسسة ثقافية حية تمنح الحاضرة التطوانية عمقا إنسانيا متجددا.
إنه يثبت أن الحفاظ على التاريخ الجماعي يبدأ أحيانا من صون التاريخ الشخصي والعائلي ..ومن خلال هذا المزج الإبداعي، يظل المتحف بوصلة لجيل اليوم للتعرف على جذوره، وشاهدا على مرونة مدينة تطوان وقدرتها على التحول والنمو مع الحفاظ على روحها الأندلسية الأصيلة وعاداتها العريقة.

error: Content is protected !!