تطلع الزوايا في مدينة تطوان بدور جوهري يتجاوز الجانب الديني الصرف، لتصبح خلال شهر رمضان القلب النابض للحياة الروحية والاجتماعية والثقافية، حيث تمتزج فيها التقاليد الأصيلة بالروحانية .
ويزداد بريق الزوايا بشكل استثنائي خلال شهر رمضان المبارك و تتحول الى مؤسسات دينية تجمع بين العبادة و الفن الملتزم الأصيل والتكافل الاجتماعي.
ويتجلى الدور الروحي والتعبدي للزوايا في رمضان الأبرك ،المكمل للمساجد العامرة ، في كونها الملاذ للباحثين عن السكينة بعد صلاة التراويح ومجالس الذكر والسماع والذكر الجماعي الذي يعتمد على قصائد البردة والهمزية ،كما تقام فيها حلقات يومية لذكر الله وقراءة “الأوراد” الخاصة بكل طريقة صوفية.
وتشهد الزوايا قراءة الحزب الراتب ، أي قراءة القرآن الكريم بشكل جماعي يوميا ،فيما تعتبر ليلة القدر ذروة نشاط هذه المؤسسات الدينية و قمة النشاط الروحي، وتستمر بها الأذكار والصلوات حتى مطلع الفجر في أجواء روحانية مهيبة.
وتشكل زوايا مدينة تطوان مدرسة رائدة في الفن الصوفي والإنشاد الديني وفن السماع وطرب الآلة ،وهي “الحاضنة” لهذه الفنون التي يتميز بها المغاربة كثيرا عن غيرهم .. كما تُقدم بالزوايا وصلات من المديح والسماع الصوفي بألحان أندلسية عريقة ،عدا قيمتها التربوية على طول السنة كمراكز لتعليم أصول الإنشاد للشباب و الاستقامة والجد والاجتهاد في عبادة الله تعالى، مما يُساهم في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للمدينة ، التي اشتهرت ،منذ نشأتها ، بالتصوف والعلم الديني والطرق الصوفية .
و تنظم الزوايا حصصا للمديح النبوي باستخدام الطبوع الأندلسية المغربية ،وفي فترات خاصة بالنساء تُقام “الحضرة” التي تمزج بين الجانب الروحي والإرث الموسيقي المحلي وقراءة الأمداح النبوية بألحان شجية و نغم عذب يهز المشاعر.
ولا يقتصر دور الزوايا في رمضان على الجانب الروحاني ،إذ تتحول إلى فضاءات للتضامن ،من خلال موائد الإفطار الجماعي للمحتاجين وعابري السبيل وطلبة العلم ،في مكان يمتلئ بالبخور والروائح الزكية، مما يضفي طابعا قُدسيا على المكان وتحوله الى فضاء روحي بامتياز ومقصدا للتأمل والتبجيل .
كما يبرز دور الزوايا الاجتماعي والخيري في رمضان من خلال توزيع الصدقات ،وعملها ،منذ عقود من الزمن ،على جمع وتوزيع المساعدات على الأسر المعوزة في المدينة وضواحيها القاصية والدانية .
وتعد الزاوية الريسونية والزاوية الحراقية والدرقاوية والزاوية الكتانية و الزاوية البدوية والفاسية والتيجانية والوزانية و البقالية والعيساوية وزاوية سيدي الصعيدي وأخريات ..منارة للحفاظ على التراث الصوفي المحلي وللأدب الرفيع والأذكار والمواجيد المحمدية والموسيقى الأندلسية المرتبطة بالمديح النبوي و”الحضرة” التي تجذب المحبين والمريدين وتوحدهم على مبادئ الاسلام السمحاء والتمسك بالثوابت الأساسية، والالتزام بها ، وعدم السماح بتاتا بالخروج عنها أو التساهل فيها ، سواء تعلق الأمر بمذهب أهل السنة والجماعة، أو بالعقيدة الأشعرية.
وارتبط اسم هذه الزوايا تاريخيا بالعلم والفقهاء، وكانت على مر العصور مقصدا لطلبة العلم الذين يجمعون بين التربية الروحية والدراسة الشرعية التي هي جزء لا يتجزأ من الهوية الدينية للمدينة وللوطن ككل .
والزوايا عامة هي جزء مهم كذلك من المنظومة الدينية للمملكة المغربية ،وهي من أبرز محددات الهوية الدينية ولها شأن مهم في تعزيز الأمن الروحي للمغاربة والتكوين الديني والروحي الصحيح .