العشر الأواخر في تطوان ..سمو روحي ونبض ايماني عميق وتلاحم اجتماعي

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

حين تُشرف شمس رمضان على الغروب في أيامها العشرين، تلبس مدينة تطوان حُلة من النور والسكينة، وتفتح المساجد أحضانها للمُتَبتلين في خلوة مقدسة ليتفرغوا لعبادة الله تعالى وإخلاص النية له .
وبين جُدران المساجد يمتزج صوت “التحزيب” المغربي برائحة العود ، ليرسم جزء من أهل تطوان لوحة فريدة للاعتكاف والتعبد في أيام خصها الله تعالى بفيض من الرحمة والبركات ،ولا يقتصر الأمر على الانقطاع للعبادة فحسب، بل ينغمس الجميع في طقس اجتماعي ووجداني متوارث، يعيد صياغة العلاقة بين الأرض والسماء في ليال يَتَرَقب فيها الجميع فيْض ليلة القدر .
ومن ملامح تخليد هذه الأيام المباركة في تطوان تحول مساجد المدينة إلى منارات للذكر والتهجد ،ويحرص أهل تطوان على أداء صلاة التراويح والقيام بخشوع تام، مع حضور لافت للأطفال والشباب ،كما “تتنافس” المساجد والزوايا في ختم القرآن الكريم لتعزيز العبادة وطلب رضى الله.
و للعشر الأواخر في تطوان طقوس اجتماعية خاصة تعكس الترابط الأسري وقيم التضامن ،ففي العشر الأواخر خاصة تشمر العائلات عن سواعدها في فعل الخير والأعمال الصالحة وتزيد من منسوب الصدقة وتُكثف من توزيع المساعدات على الأسر المعوزة والمحتاجة .
و تكتظ مساجد تطوان بالمصلين في ساعات الليل المتأخرة لأداء صلاة التهجد ،أفضل القربات ونوافل العبادات ،عملا بسنة النبي الخاتم ،وفي هذه الليالي المباركة بالذات تلبس المساجد حللها الجميلة لإضفاء خشوع خاص وسكون الجوارح أمام الله .
وتنشط بالمساجد والزوايا المذاكرة الدينية ودروس الوعظ والإرشاد ،لشرح وتوضيح وبسط كُنْه القيم الدينية و نشر الوعي الفقهي والإجابة عن أسئلة الصائمين ،كما تنشط حلقات الذكر والمديح النبوي التي تشتهر بها الزوايا التطوانية .
وفي هذه الأيام المباركة تحرص العائلات التطوانية الأصيلة على تطييب وتعطير المنازل بالبخور والروائح الزكية لاستقبال ليلة القدر وليالي العبادة، مما يرمز لتطهير الظاهر والباطن و تهيئة جو إيماني مريح ونظيف للقيام والذكر، اقتداء بفضل هذه الأيام واغتنام فضائلها .
وبخصوص الحركية الاقتصادية ،تشهد الأسواق التطوانية ذروة نشاطها موازاة مع بداية الأسر في تحضير الحلويات التي لا تغيب عن مائدة “عيد الصغير” (عيد الفطر) أو اقتنائها من المحلات العريقة التي تشتهر بها المدينة.
كما يزداد الإقبال على الخياطين التقليديين لاستلام الملابس التقليدية التي تم تكليفهم بإعدادها منذ بداية الشهر، حيث يحرص الجميع على الظهور بأبهى حلة في صلاة العيد.
و تظل العشر الأواخر في تطوان أكثر من مُجرد أيام زمنية عابرة ،بل إنها حالة شعورية تجمع بين السكينة الملكوتية التي تملأ مساجد المدينة وبين الدفء الإنساني الذي يفيض من بيوتها.
و هي لحظات يمتزج فيها صوت التراويح بعبق البخور التطواني الأصيل، لتؤكد أن المدينة لا تزال تحفظ أمانة الأجداد في تعظيم شعائر الله بجمالية قَلّ نظيرها، جاعلة من وداع رمضان لوحة إيمانية تتوارثها الأجيال .
و العشر الأواخر في تطوان هي أيضا رحلة تبدأ من خُلْوة المحاريب وتنتهي ببهجة التراحم في شوارع وأزقة المدينة ،وهي مزيج فريد بين الخشوع والاحتفال، يُثبت أن تطوان ليست مجرد مدينة تسكنها الأرواح، بل هي روح تسكن القلوب، تجعل من ختام الشهر الفضيل عرسا روحيا واجتماعيا يغسل عناء العام ويجدد عهد الوفاء للقيم الإسلامية السمحة .

error: Content is protected !!