لماذا يظل انضمام الجزائر لمنظمة التجارة العالمية معلقا منذ أربعة عقود؟

هالة انفو. كتب :عبد العزيز حيون

تُعد الجزائر اليوم واحدة من الحالات النادرة في النظام التجاري العالمي، حيث لا يزال ملف انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية (OMC) يراوح مكانه منذ نهاية الثمانينيات. وعلى الرغم من أن المفاوضات بدأت في عهد اتفاقية “الغيت” (GATT) السابقة، إلا أن الجزائر لا تزال خارج أسوار المنظمة بعد نحو أربعين عاما من الانتظار ، مما يجعلها صاحبة أطول مسلسل مفاوضات انضمام في التاريخ.
نموذج اقتصادي “مُدار” يتصادم مع حرية التجارة:
يرى الخبراء أن العائق الجوهري يكمن في طبيعة النموذج الاقتصادي الجزائري ،فهو نموذج يعتمد بشكل مفرط على تدخل الدولة و”حماية السوق الداخلية” والمغالاة في وصاية الدولية .
و تلجأ السلطات الجزائرية باستمرار إلى فرض قيود على الاستيراد، سواء عبر نظام “الحصص” (Quotas) أو الرسوم الجمركية المرتفعة، بمجرد مواجهة أي قطاع محلي لمشاكل، وهو ما يتناقض جذريا مع مبادئ المنظمة الداعية لتحرير التجارة.
ويمنخ تغول المؤسسات العمومية ووتدخل القوي امتيازات خاصة للشركات العمومية، مما يخلق بيئة اقتصادية غير تنافسية ترفضها منظمة التجارة العالمية التي تشترط الشفافية والمساواة بين الفاعلين الاقتصاديين.
و تعتبر منظمة التجارة العالمية الشفافية “شرطا مقدسا” وأساسيا ، حيث يجب نشر جميع القوانين التجارية وإخطار المنظمة بأي تغيير. لكن الاقتصاد الجزائري يُصنف ضمن الأكثر “غموضا” عالميا، حيث يُفضل النظام الحاكم الحفاظ على ضبابية الأرقام لضمان استمرارية “اقتصاد الريع”.
إضافة إلى ذلك، تبرز “صلابة” النظام البنكي الجزائري كعائق تقني، فالنظام المالي الحالي يعاني من بيروقراطية شديدة ترفض التعامل بمرونة مع التجارة الدولية، كما هو الحال في فشل مشروع المنطقة الحرة مع ليبيا بسبب القيود البنكية على المدفوعات.
و هناك عامل بنيوي يقلل من حماس السلطات الجزائرية للانضمام، وهو الاعتماد شبه الكلي على النفط والغاز.
فحين يعتمد اقتصاد دولة ما على منتجين يجدان مشترين بسهولة في السوق الدولية، تضعف الدوافع السياسية لتقديم تنازلات اقتصادية وإصلاحات هيكلية صعبة تفرضها المنظمة.
لكن ما هي المخاطر التي تواجهها الجزائر ببقائها خارجا؟
فوفقا للمتخصصين في العلاقات الدولية، فإن البقاء خارج المنظمة يعزل الجزائر عن القواعد المشتركة التي تسهل التجارة وتمنع التمييز. كما يؤدي ذلك إلى ضعف الجاذبية الاستثمارية مع غياب قواعد واضحة ومتوقعة ينفر المستثمرين الأجانب ويحد من نقل التكنولوجيا.
كما لا يمكن للجزائر اللجوء إلى آليات تسوية المنازعات في المنظمة في حال نشوب خلافات تجارية مع دول أخرى ،إضافة الى أن بقاء الشركات المحلية في سوق “محمي” يقلل من قدرتها على الابتكار والمنافسة عالميا.
و يعكس تأخر الجزائر ترددا استراتيجيا بين الحفاظ على نموذج اقتصادي منغلق ومحمي، وبين ضرورة الانخراط في العولمة. وبقاؤها في قائمة تضم دولا مثل الصومال، السودان، وبيلاروسيا، يوضح تماما الموقع الذي اختاره النظام الجزائري لنفسه في الخارطة الاقتصادية العالمية .

error: Content is protected !!