حين يَحُل شهر رمضان في تطوان، تكتسي كل أحياء المدينة وضواحيها حُلة من النور، وتتحول مساجدها إلى خلايا نحل لا تهدأ..وبين تراتيل صلاة التراويح والقيام وركعات الشفع والوتر ، تبرز لحظة “خَتْم القرآن” كذروةٍ روحية ينتظرها الصغير والكبير.
وختم القرآن في تطوان والقرى المجاورة لها احتفالية دينية وإيمانية تتوارثها الأجيال، وتُجدد فيها ساكنة المدينة عهدها مع كتاب الله في أجواء يمتزج فيها الخشوع ببهجة الروح وانشراحها .
كما أن احتفالية “ختم القرآن ” الدينية هي لحظات يختلط فيها دمع الخشوع بفرحة التمام، حيث تزدحم المساجد بوجوهٍ استنارت بالذكر، وتفوح من البيوت روائح طيبة احتفاء بختمة قرآنية تُبارك الديار وتجلب الطمأنينة وتجلي الهموم وتُلبس أهل البيت تاج الوقار .
وحرصت ساكنة مدينة تطوان وكذا المداشر المجاورة ، منذ زمن قديم ، على قراءة وختم القرآن الكريم في رمضان ،واعتبروا ذلك طقوسا رمضانية أساسية تمزج بين الجانب التعبدي والروحي الصادق والاجتماعي الجمالي .
وفي هذا السياق ، اعتاد أهل تطوان على تنظيم ما يسمى بـ “السلكة”، و هي ختمة جماعية للقرآن الكريم يشارك فيها الفقهاء والحفاظ، وغالبا ما تبدأ في وقت مبكر من الصباح أو بعد صلاة العصر لتنتهي قبيل أذان المغرب ،أو في ليلة القدر بتمامها وكمالها .
وتصل طقوس الختم ذروتها في ليلة السابع والعشرين، والتي تتميز بتزيين المساجد وتنظيفها وتبخيرها ..و بعد ختم الحزب الأخير، يرتفع الدعاء “بصوت واحد” في مشهد روحاني مهيب، يدعو فيه الإمام للمدينة ولأهلها ولأهل المغرب على امتداده وأولياء أموره بصالح الأعمال والعبادات وأن يطوي الله صفحة هذه الأيام إلا وقد ستر عيوبنا وقبل ثوبتنا وفرج همومنا وهموم المسلمين وغفر لموتانا وألبس مرضانا لباس العافية والشفاء .
ومن العادات المرتبطة بالختم في الزوايا والمساجد ، تُقام حلقات إنشاد ديني ومديح نبوي على الطريقة المحلية الأصيلة ،كما يتم توزيع التمور والحليب، وفي أحيان كثيرة تُقام مآدب عشاء جماعية في بيوت القائمين على الختمة أو في مرافق المسجد، احتفاءً ببركة القرآن وتعظيم كلام الله وإخلاصا وشكرا للحي القيوم .
وإذا ختم طفل القرآن (أو أجزاء منه) في رمضان، يُحتفى به بطقوس خاصة و يُلبس أحسن اللباس ويُطاف به عبر أزقة ودروب المدينة وسط زغاريد النساء والصلاة على النبي الخاتم .
و تتميز تطوان بأنها تجعل من ختم القرآن عيدا اجتماعيا وليس مجرد عبادة فردية، حيث تتلاحم فيها العائلات في جو من التآزر الروحي والتآخي والعمل الجماعي المبني على نوايا صادقة.
وتعتبر ليلة “ختم القرآن” كذلك مناسبة لتوزيع الصدقات وتقديم الوجبات للمحتاجين ، كل حسب قدرته واستطاعته ، حيث تظهر قيم التضامن ويتعزز الشعور بالانتماء الذي يتميز به النسيج الاجتماعي المحلي ،ويبقى الهدف الأسمى هو الحفاظ على “الهوية الروحية” .
وهكذا، تظل ليالي ختم القرآن في تطوان رحلة روحية سنوية تجدد بها “الحمامة البيضاء” عهدها مع كتاب الله، وتؤكد من خلالها أن روح رمضان في هذه المدينة لا تكتمل إلا بتمام الحروف وخشوع القلوب، لتبقى هذه التقاليد أمانة غالية تتوارثها الأجيال.
ويبقى صوت القراء في مساجد تطوان وهو يصدح بآخر آيات الذكر الحكيم، صدىً لتاريخ طويل من الإيمان والجمال الروحي ..إنها اللحظة التي تتوحد فيها القلوب، وتعلن فيها المدينة عن فخرها بكونها قلعة حصينة لحفظ القرآن وتوقير أهله، لتُودع الشهر الفضيل بأجمل ما يُودع به “مسك الختام في بيوت الله”.