كشف تقرير صادر عن مجموعة الخبراء الأوروبيين عن الأسباب الحقيقية وراء الانقطاع التاريخي للتيار الكهربائي الذي ضرب إسبانيا والبرتغال، مؤكدا أن الحادثة لم تكن نتيجة سبب واحد، بل ثمرة “مزيج متشابك” من الإخفاقات المتتالية التي وضعت الشبكة الكهربائية في اختبار غير مسبوق.
ووفقا للتحقيقات التقنية، فإن هذا الخلل الواسع النطاق، الذي ترك ملايين المواطنين في ظلام دامس، يعود إلى تضافر عوامل تقنية ومناخية وإدارية تزامنت في لحظة واحدة لتتسبب في انهيار الربط الكهربائي بين شبه الجزيرة وبقية القارة الأوروبية.
و يوضح التقرير أن نقطة الانطلاق كانت عطلا تقنيا مفاجئا في أحد خطوط التوتر العالي الرئيسية، وهو ما أحدث تأثيرا متسلسلا أدى إلى خروج محطات توليد عن الخدمة بشكل تلقائي لحماية الأنظمة من التلف.
إلا أن الخطورة الحقيقية لم تكمن في العطل بحد ذاته، بل في عجز أنظمة الاستجابة السريعة عن احتواء الخلل وتطويقه، مما تسبب في اختلال توازن التردد في الشبكة الإيبيرية وانفصالها المؤقت عن الشبكة الأوروبية المتزامنة، وهو ما أدى بدوره إلى سقوط متتالٍ للمنظومة في عدة مناطق حيوية.
وعلى صعيد العوامل البيئية، أشار الخبراء إلى أن الظروف الجوية المتقلبة في تلك الفترة لعبت دورا سلبيا في استقرار الشبكة، حيث أثرت تقلبات إنتاج الطاقة المتجددة، وخاصة الرياح، على قدرة المشغلين في الحفاظ على استقرار الجهد الكهربائي.
هذا التذبذب في الإمدادات، بالتزامن مع ذروة الطلب المحلي، جعل الشبكة “هشة” تقنيا وأكثر عرضة للانهيار أمام أي عارض بسيط، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى جهوزية البنية التحتية الحالية لمواكبة التحول الطاقي المتسارع نحو المصادر المتجددة دون تعزيز أنظمة التخزين والتحكم.
وفي الجانب الإداري والتنسيقي، انتقد التقرير الأوروبي سرعة تبادل المعلومات بين مشغلي الشبكات في إسبانيا والبرتغال وبقية الشركاء الأوروبيين خلال الدقائق الأولى من الأزمة.
وأوضح أن غياب التنسيق اللحظي حال دون اتخاذ إجراءات وقائية كان بإمكانها تقليل حجم الأضرار أو منع الانقطاع الكلي في بعض المناطق.
هذا القصور التنظيمي استدعى مراجعة شاملة لبروتوكولات الطوارئ العابرة للحدود لضمان استجابة أكثر مرونة وتكاملاً في المستقبل، وتفادي تكرار مثل هذه “الانتكاسة” التي أثرت على قطاعات اقتصادية وخدمية واسعة.
وتأتي هذه النتائج في وقت تتصاعد فيه الضغوط لتحديث الشبكات الكهربائية في جنوب أوروبا وزيادة الاستثمارات في الرقمنة والأمن السيبراني للمرافق العامة.
و الدروس المستفادة من هذا الانقطاع العملاق تتجاوز مجرد إصلاح الأعطال المادية،فهي تستوجب بناء منظومة طاقة أكثر مرونة وقادرة على التكيف مع الصدمات غير المتوقعة.
وبينما تسعى السلطات في مدريد ولشبونة لاستعادة الثقة الكاملة في أنظمتها، يظل هذا التقرير بمثابة “جرس إنذار” للمجتمع الأوروبي بأسره حول ضرورة تعزيز التضامن التقني والاستثمار في بنية تحتية قوية تضمن أمن الطاقة كركيزة أساسية للاستقرار القاري.