بين نضال السياسة وشغف الركح: العوالم الإبداعية للقامة الشامخة رضوان احدادو (بورتريه)
هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون
يشكل الكاتب والمؤلف المسرحي، والمربي، والفاعل السياسي والنقابي رضوان احدادو واحدا من أبرز القامات الثقافية الحية التي أنجبتها مدينة تطوان، وعلامة فارقة في تاريخ المسرح المغربي المعاصر والتأليف الأدبي المتخصص.
المبدع رضوان احدادو جسّد بتميز كبير على مدى عقود من الزمن نموذج “المثقف العضوي” الذي زاوج ببراعة بين صرامة رجل التعليم ورسالته التربوية، والالتزام بقضايا مجتمعه من بوابة النضال النقابي والسياسي، والشغف الأبدي بـ “أبو الفنون”.
بالنسبة لابن تطوان البار، لم يكن الإبداع المسرحي مجرد فضاء للتعبير عن الواقع المجتمعي وتنظير اجتماعي وفكري دقيق بحنكة المراقب ، بل رئة يتنفس بها ومختبرا حيا لصناعة الوعي وتفكيك الواقع، حيث لازال نبضه الإبداعي مستمرا، وكتاباته مرآة أصيلة تختزل هموم الإنسان وتطلعاته بروح نقدية لا تهادن، ورؤية جمالية متجذرة في بيئته الشمالية وتاريخها العريق.
والاحتفاء بالمسيرة المديدة والحافلة بالعطاء للأستاذ رضوان احدادو، هو محاولة ولو بسيطة لاكتشاف عوالم الرحلة الممتدة التي تحول فيها شغفه بالمسرح إلى رسالة حياة مُتجددة، جمعت بين وعي المربي، والتزام السياسي وإصرار النقابي ، و”جنون” الفنان الإبداعي الذي لا يهدأ ولا تفرمله مفارقات الحياة .
وشكل الكاتب والمؤلف المسرحي، والمربي، والفاعل السياسي رضوان احدادو ،الذي تعرفت عليه شخصيا عن قرب وواكبت إسهاماته الغنية في كل المجالات التي لامستها أنامله السخية منذ بداية ثمانينات القرن الماضي ،واحدا من أبرز القامات الثقافية الحية التي ما فَتَر عطاؤها منذ عقود طويلة من الزمن رغم الانشغالات وتعقيدات الحياة وتغير المحيط.
و الكاتب رضوان احدادو هو أحد الأوفياء القلائل الذين جعلوا من مدينة تطوان محورا لكونهم الإبداعي، وترجموا هذا العشق إلى “سيولة” وتدفق لم يتوقف على مدار عقود طويلة من الزمن لم تكبحها انشغالات السياسة وظلم ذوي القربى أحيانا وحرقة القلب ،الذي لا يختار من يُحب .
عندما نقول إن ابن تطوان له سيولة في التأليف، فإننا نتحدث عن ميزة نادرة في المسرح المغربي، وهي الاستمرارية والغزارة والتنوع، فكثير من الكتاب يكتفون بنصوص معدودة، أما الاستاذ احدادو فقد جعل الكتابة طقسا يوميا، ويمكن تفكيك هذه السيولة المسرحية في سياقها التطواني والمغربي إلى عدة نقاط بارزة:
1. غزارة وتنوع “الريبورتوار” المسرحي
لم يترك احدادو لونا مسرحيا إلا وولجه بقلم سيال ومتميز ، فكتب في المسرح الجاد والذهني ،الذي يناقش قضايا الهوية والوجود والمصير الإنساني ،وفي المسرح الاجتماعي والكوميدي القريب من نبض الشارع التطواني والمغربي، والذي ينتقد الظواهر اليومية بذكاء ويظهر مرونة فكرية وقدرة على التكيف مع مختلف الأشكال الفرجوية.
2. تطوان: منبع الشخوص والحكايات
هذه السيولة لم تأتِ من فراغ، بل لأن مخيلته مغذاة بـ “تراث تطوان الغني”،إنها مدينة الحكايات، والذاكرة الأندلسية، والشخصيات الشعبية الفريدة، والصراعات الاجتماعية والسياسية عبر التاريخ (خاصة فترة الحماية وما بعدها). كل هذه العناصر شكلت مادة خاما غزيرة، كان قلم احدادو يغرف منها بسلاسة وذكاء ليحولها إلى نصوص مسرحية حية فيها الكثير من التأريخ الجاد والهادف .
3. التوثيق الموازي للإبداع
من تجليات هذه السيولة أيضا، أنه لم يكتفِ بتأليف الخيال، بل كان يكتب “تاريخ المسرح نفسه”، فإلى جانب نصوصه المسرحية الكثيرة، أصدر دراسات ومقالات توثق للحركة المسرحية في تطوان وشمال المغرب، وكأنه يخشى على هذه الذاكرة من الضياع، فكتب بـ “انسيابية المتمكنين ليحمي تاريخ الرواد والفرق المحلية والثقافة المسرحية ويحمي إبداعا مغربيا لم ينل حظه الكامل الذي يستحق.
وسيولة التأليف عند رضوان احدادو هي ثمرة تلاحم بين موهبة متدفقة، وبيئة ثقافية تطوانية ملهمة، وإيمان عميق بأن المسرح هو المرآة الحقيقية للمجتمع ولذوات المفكرين والمبدعين الحقيقيين الذين ينصهرون في قضايا مجتمعهم .
لقد استطاع ابن تطوان، من خلال هذا التدفق الإنتاجي، أن يضمن للمسرح في شمال المغرب وفي ربوع المغرب بشكل عام حيزا بارزا وممتدا في المشهد الثقافي الوطني والعربي ،وله الفضل في إغناء المكتبة العربية التي لازالت تحتاج الى إبداعات مسرحية من قيمة الانتاج الفكري لمبدعنا، الذي يستحق عن جدارة لقب “عميد المسرح المغربي” .
و لازال الأستاذ والمؤلف المسرحي رضوان احدادو (المولود في تطوان عام 1941) يواصل مسيرته الإبداعية والتوثيقية ،وشكل الراحل عبد الخالق الطريس (الزعيم الاستقلالي البارز وابن تطوان) القدوة الروحية والسياسية التي شرب منها احدادو العمل الوطني والسياسي ،وقد تدرج في هذا المسار حتى شغل منصب مفتش حزب الاستقلال على مستوى المنطقة الشمالية مكنته من أن يعيش في قلب المعارك الانتخابية والسياسية للحزب والفعل الثقافي والاجتماعي غير الملون بمظاهر مزيفة لفترة طويلة.
وتشبع رضوان احدادو بالفكر الوطني الاستقلالي منذ شبابه، متأثرا بالقيادات الوطنية في شمال المغرب، ورغم إشرافه على تدبير الخريطة السياسية للحزب محليا، إلا أنه كان يترفع في كثير من الأحيان عن الترشح للمناصب، مؤمنا بأن النضال السياسي أعمق من مجرد مقاعد انتخابية ،و حتى وهو في أوج عطائه الحزبي، لم ينفصل عن وعيه الثقافي، بل أصدر دراسة تاريخية هامة بعنوان “مسرح عبد الخالق الطريس” (1988)، ليوثق كيف كان قادة الاستقلال يوظفون الفن كأداة للمقاومة والتوعية الوطنية.
و رغم أن العمل الحزبي والسياسي ومسؤوليات التفتيش استأثرت بجهد كبير من حياته، إلا أن الركح عاد ليستعيده بقوة كاتبا ومؤرخا وناقدا ،كيف لا وهو يُعد أحد أبرز من رفدوا المسرح المغربي بالنصوص ، و لعل خير شاهد على ذلك رصيده الضخم الممتد لعقود، ومن أبرزه: “الأرض والزيتون” (1979)، “في انتظار زمن الجنون” (1985)، و”أهل المدينة الفاضلة” (1998) ،البحر يحترق (1999) ، و “كتابات على جدران مدينة منسية” (2001)،و”الباب والرأس..احتفال مسرحي في نفس واحد (2014) ،والنصوص المسرحية “في انتظار زمن الجنون” و”طارق الذي لم يعبر” ،و “الحافلة رقم 3″ ،و”البحث عن متغيب” و”الدم” وغيرها كثير .. وصدر له عمل ضخم تحت مسمى “الأعمال المسرحية الكاملة” (2020) في جزأين يضمان حوالي 700 صفحة من الحجم الكبير، يوثق لكل أعماله المسرحية المنشورة سابقا، وقدم له شيخ المسرح الاحتفالي عبد الكريم برشيد.
وهذا العطاء الخصب والمسترسل حَوَّل الاستاذ رضوان احدادو إلى مرجع حاسم ولا غنى عنه لكل الباحثين في تاريخ الفن الإبداعي بالمغرب.. وكتبه التوثيقية مثل “الحركة المسرحية بمدينة طنجة” ودراساته المستمرة عن الرواد والفرق المسرحية أنقذت جزءًا ثمينًا من الذاكرة الثقافية الوطنية من النسيان والضياع .
ولا يسعنا في الختام إلا أن نقف إجلالا وتقديرا لقامة وطنية وفكرية شامخة بحجم هذا العلم التطواني الفذ ،فمسيرته الحافلة ،الثقافية والسياسية والإنسانية ودقة المؤرخ المسرحي التي تسكن في دواخله ، تجعله نموذجا حيا للمثقف العضوي الذي يهِب حياته لخدمة وطنه وهويته وقناعاته .
واليوم، وإذ ينعم الله عليه بموفور الصحة والعافية بيننا، فإن وجوده يمثل جسرا ممتدا يربط جيل اليوم بأمجاد الأمس، ومنارة تستضيء بها الأجيال الصاعدة في دروب الفكر والإبداع.
والاحتفاء بإنتاجه الغزير وتكريم مسيرته في حياته واجب ثقافي، واعتراف مستحق بعطاء رجل لم يمل يوما من العطاء، وظل دائما سفيرا وفيا لثقافة تطوان وحضارة المغرب،داعين له بطول العمر وموفور الصحة ليبقى ذخرا للفكر والإبداع.