سيمفونية الزليج وخرير الذاكرة : التناغم البصري والصوتي لأقنية تطوان

هالة انفو بقلم عبد العزيز حيون.

تتميز تطوان بوجود كثرة السقايات العمومية، المعروفة محليا باسم “الأقنية”، والمتصلة بالشبكة التقليدية لتوزيع الماء بالمدينة العتيقة “السكوندو”، وهي مصادر مياه عذبة تروي منذ قرون ظمأ الزوار وعابري السبيل والحرفيين، إلى جانب أدوارها البيئية والفلاحية وإرواء الحيوانات.
وكان لهذه الأقنية، التي يبلغ عددها إجمالا 44 قناة موزعة على أهم أزقة وفضاءات المدينة العتيقة، وخاصة قرب أبواب تطوان السبعة (باب العقلة و باب الصعيدة (أو السعيدة) والباب السفلي وباب المقابر وباب النوادر وباب الرموز وباب الرواح) ، دور أساسي في تدبير استعمال الماء الآتي من منابع جبل “درسة” وعيون أخرى قريبة، وترشيد استعماله لتلبية حاجات الساكنة المحلية من الماء.. كما أن بعض الأسر التطوانية الميسورة كانت تصرف فائض المياه بشبكة السكوندو في “الأقنية” المجاورة وجعله رهن إشارة الجيران الفقراء بخاصة .
وهذه السقايات والأقنية المائية في مدينة تطوان العتيقة تعتبر أكثر من مجرد منشآت لإرواء العطش وتوفير الماء العذب والنظيف ، إنها الشريان الحيوي الذي غذى المدينة بتقنيات متفردة غطت المدينة حتى أصغر الأحياء والأزقة والدروب بطرق تذكرنا بتاريخ مجد الأندلس .
وفي النسيج العمراني الممتد بين باب العقلة وضريح سيدي الصعيدي وصولا إلى باب الصعيدة (باب السعيدة)، تتجلى زنقة “الشريشار” (أو التشريتار كما ينقطها أهل تطوان) كدرة على تاج هذا النظام المائي الفريد، والذي ينتشر بعبقرية مماثلة في كافة الفضاءات المجاورة للأبواب السبعة للمدينة العتيقة وأحياء أخرى تنبض فيها الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
ويعكس اختيار مواقع الأقنية والسقايات في زنقة “الشريشار” مثلا ومحيط الأبواب السبعة عامة توفيقا جغرافيا وهندسيا استثنائيا اعتمد على الفهم الدقيق لتضاريس المدينة وخصوصياتها العمرانية والمعمارية .
و أُنشئت الأقنية على خطوط انحدار بدراسة دقيقة لتستغل الارتفاع الطبيعي لجبل درسة ومنابع الماء و طاقة الجاذبية الطبيعية، مما أتاح تدفق المياه بسلاسة إلى جميع الأحياء دون الحاجة لوسائل ميكانيكية أو ضخ من موقع ما .
وتتوزع داخل جدران المدينة ومحاور الأبواب أحواض وقنوات دقيقة تُعرف بـ “الموازين”، وتعمل على تقسيم الحصص المائية بإنصاف ودقة بين البيوت، المساجد، السقايات العمومية، والحمامات ،والمراحيض التي كانت تغطي كل أحياء المدينة العتيقة حتى لا تتسخ المدينة بالفضلات ،مع مراعاة ذكية لحاجيات كل مرفق على حدة .
ولعل أشهر سقايات تطوان أيضا “قنا باب العقلة”، الذي بني إبان فترة القائد محمد بن عمر لوقش منتصف القرن الثامن عشر، وتتسم بجماليتها المتوافقة مع هندسة المدينة ونسيجها العمراني العام، عدا تواجدها في موقع استراتيجي بالمدخل الرئيسي للمدينة العتيقة قديما.
كما أن هناك سقايات لا تقل أهمية من “قنا باب العقلة” بحمولته التاريخية، من بينها “قنا السلوقية ” و”قنا زاوية سيدي الصعيدي”، و”قنا سوق الحوت القديم”، المجاور لجامع القصبة العتيق، والقنا الذي حبسته عائلة اللبادي بالصياغين، و”قنا سيدي الناجي” و”قنا حومة العيون” و”قنا الزاوية الفاسية”، و”قنا باب التوت”، ثم القنا الذي يعرف باسم “المعدة” بحي “الترانكات”.
ويدار التدفق بناء على حكامة الاستدامة والتدوير المحكم و وفق شبكة مائية ثلاثية الأبعاد، تبدأ بالماء الشروب، ثم تغذية المرافق والرياضات، وأخيرا استغلال المياه الفاضلة في تنظيف الأزقة وجرف المخلفات.
مياه بعض هذه السقايات كانت تتجاوز أسوار المدينة العتيقة لتروي الأراضي الفلاحية المجاورة، لاسيما الأقنية المتواجدة بالقرب من أبواب وأسوار المدينة، كما هو شأن أقنية زنقة “الشريشار” ..وبالرغم من أن صبيب بعض الأقنية كان ضعيفا وغير منتظم ، إلا أن فائض المياه كان يوجه لري الأراضي عوض إهداره، وبالتالي الحفاظ على الموارد المائية وترشيد استغلالها.
بيئيا، شكلت “الأقنية” أيضا مصدر مياه للطيور والحيوانات الأليفة لإرواء العطش، حيث حرص سكان تطوان على تجهيزها بأحواض أو أوعية خاصة لشرب الحيوانات، وعيا منهم بدورها في القضاء على الحشرات والقوارض الناقلة للأمراض والحفاظ على التوازن البيئي بالمدينة العتيقة.
وتتجاوز سقايات تطوان ، التي اندثر البعض منها ولم يعد لها وجود بينما تضرر البعض الأخر وأتلفت صهاريجها وصنابيرها النحاسية ما أثر سلبا على جماليتها ووظيفتها ، بُعدها الوظيفي أيضا لتغدو تحفا معمارية تزين الجدران وتمنح الأزقة هويتها العمرانية الخاصة.
وما ميز أيضا أقنية تطوان أنها تتمتع بالهوية الصوتية للمكان، فمثلا استُمدت تسمية “الشريشار” من خرير المياه المتدفقة (“الشَّرْشَرة”)، مما يخلق سيمفونية صوتية تبعث السكينة في الممر الممتد بين باب الصعيدة (أو السعيدة) عبر ضريح سيدي الصعيدي وباب العقلة.
جماليات المعمار الأندلسي: تتألق السقايات المجاورة للأبواب السبعة بزخارف الزليج التطواني التقليدي بألوانه المبهجة، والأقواس النعلية الرشيقة، والإفريز المنحوت، لتتحول كل سقاية إلى لوحة فنية تشكيلية لها ميزتها .
وبعيدا عن جمالية المنظر ،شكلت السقايات والعيون المائية الممتدة عبر الأبواب السبعة ،التي لازال الكثير منها قائما رغم أنها أصبح منظرها باهتا أو غطتها تدخلات مشبوهة للبشر ، نقطة ارتكاز مجتمعية وروحية داخل المدينة.
وفي بعدها الاجتماعي ،السقاية أو القنا تعد فضاء يوميا لتبادل الأخبار والتواصل بين ساكنة الحي أو الزقاق (الزنقة) أو الدرب الواحد ، ومحطة استراحة يفيء إليها التجار والعابرون القادمون عبر أبواب المدينة .
و في البعد الوقفي والروحي ، ارتبطت الأقنية بجوار المساجد والأضرحة بفلسفة الوقف الإسلامي والصدقة الجارية، مما جعل الماء حقا مكفولا للجميع ورابطا إنسانيا يعزز قيم التضامن والتآزر والتعاون ونكران الذات والتضحية .
وبالتالي ،فإن أقنية تطوان ليست شواهد حجرية من الماضي تؤثث الفضاء العام ، وإنما هي قصيدة مائية خالدة كتبها الأجداد بمداد من الحكمة والجمال ،وهي تجسيد حي لتناغم الهندسة مع الطبيعة، وشهادة ساطعة على حضارة جعلت من كل قطرة ماء نبضا للحياة، وركنا أصيلا من أركان هوية تطوان .

error: Content is protected !!