الحاجة كنزة الطريس : القامة الشامخة التي تقود سفينة الخير و الثقافة بنبل ووفاء (بورتريه)
هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون
لا يختلف إثنان في أن الحاجة كنزة الطريس ، ابنة الزعيم الوطني الكبير الراحل عبد الخالق الطريس، قامة شامخة في مسار العمل الخيري و الثقافي والجمعوي في كل ربوع المملكة المغربية، وتحديدا في مدينة تطوان التي ارتبط اسم عائلتها بتاريخها النضالي والسياسي والدبلوماسي والفكري .
والحاجة كنزة هي وريثة لاسم عائلي وازن، وتصوغ مسيرتها الحافلة كواحدة من رائدات العمل الاجتماعي الهادف، موازاة مع اضطلاعها بدور تاريخي واستثنائي بصفتها الحارسة الأمينة لفكر وتاريخ أبيها الغني بالعطاء وخدمة العرش العلوي المجيد .
وتشكل الحاجة كنزة الطريس ، باستحقاق كبير وتميز ،صلة الوصل الحية بين جيل الحركة الوطنية والأجيال الصاعدة ،و هي تجسد هذا الدور المحوري في عدة واجهات:
أول هذه الأدوار صون الذاكرة الوطنية:
فالحاجة كنزة الطريس تكرس جزءا كبيرا من حياتها لجمع، وترتيب، وحفظ الوثائق والمراسلات التاريخية والمقالات والكتابات الخاصة بالزعيم عبد الخالق الطريس، والتي تؤرخ لفكر “الأستاذ” ولمرحلة حاسمة من تاريخ المغرب الحديث ونضاله من أجل الاستقلال والوحدة.
ومؤسسة عبد الخالق الطريس للثقافة والتربية والعلوم ،التي ترأسها الحاجة كنزة الطريس بتفان وإخلاص ،تساهم في إشعاع الفكر الإصلاحي والتنويري لوالدها، معيدة إحياء أدبيات الحركة الوطنية في الشمال عبر الندوات واللقاءات الثقافية، لضمان ألا تندثر هذه الذاكرة المشتركة التي يجب أن تفتخر بها كل الأجيال.
وظل منزل العائلة في تطوان (بيت الأمة) بفضل جهودها وجهود أسرتها الصغيرة قِبْلة للباحثين والمؤرخين والمهتمين بتاريخ الحركة الوطنية في منطقة الحماية الإسبانية السابقة، لتمتد خطوط التواصل المعرفي بين الماضي والحاضر مما يضمن عدم انقطاع الإرث الإنساني.
و الحاجة كنزة الطريس في ثاني الأدوار إلى جانب بصمتها في حفظ الذاكرة، تتميز بـ”العمل الاجتماعي الصامت ” ،وهي تعرف بأياديها البيضاء في دعم الفئات الهشة، ودعم تمكين المرأة التطوانية، ومساندة المبادرات التي تعنى بالنهوض بالأسرة المغربية والتعليم والثقافة بوعي وطني يرى في محاربة الجهل والفقر والهشاشة امتدادا لمعركة البناء التي يقودها بحكمة وتبصر وبعد نظر صاحب الجلالة الملك محمد السادس .
وتمثل الحاجة كنزة ،بحضورها الدائم والنوعي وببسمتها الوقور وتواضعها الكبير ، أصالة الهوية الثقافية لمدن شمال المغرب، لاسيما تطوان، وتشكل رمزا للمرأة المغربية القيادية والمثقفة التي تجمع بين الحداثة في التفكير والأصالة في السلوك والسخاء في العطاء والنبل في التعاطي مع القضايا الاجتماعية .
والحديث عن الحاجة كنزة الطريس هو حديث عن امتداد طبيعي للحركة الوطنية في أبعادها الإنسانية والاجتماعية، حيث لم تكتفِ بالافتخار بالماضيكما فعل ويفعل الكثيرون ، بل حولت ذلك الإرث إلى طاقة يومية لخدمة المجتمع والثقافة بمسؤولية ونكران ذات والمساهمة في بناء مجتمع متقدم ومتكافل وتنمية الشعور بالمسؤولية تجاه البلاد وتجاه المجتمع .
و يمكن القول إن الحاجة كنزة الطريس تصوغ بجهدها وإخلاصها فصلا مضيئا في تاريخ العطاء المغربي ،إنها النموذج الحي للمرأة المغربية التي لم تكتفِ بالاعتزاز بأمجاد الماضي، بل جعلت من إرث والدها الزعيم عبد الخالق الطريس دافعا للبناء، ومنارة تضيء بها درب المجتمع ، لتثبت أن النبل الحقيقي هو ما يتركه الإنسان من أثر في قلوب الناس ومصائرهم.
واستطاعت الحاجة كنزة ،على مدى عقود من الزمن ، أن تزاوج بنجاح باهر بين عمق الهوية الثقافية ورقيّ التكافل الاجتماعي، وهي مدرسة ملهمة في التضحية والالتزام، يفرض على الأجيال الجديدة استلهام خطاها للحفاظ على شعلة العمل المدني متقدة.