النفق العملاق بين المغرب و إسبانيا لن يكون جاهزا قبل مونديال 2030
هالة انفو. كتب:عبد العزيز حيون
أكدت شركة “هيرنكنيشت” (Herrenknecht) الألمانية أن المشروع ممكن هندسيا على المدى الطويل، لكنه لن يكتمل في موعد العرس الكروي العالمي الكبير لعام 2030.
انطلقت يوم أمس الخميس منافسات بطولة كأس العالم في كل من المكسيك والولايات المتحدة وكندا، وهي بطولة تخوضها التشكيلة المغربية كما التشكيلة الإسبانية بطموحات عريضة للظفر ،لماذا لا ؟، بالنجمة المونديالية في النهائي الذي سيُجرى في 19 يوليوز المقبل بنيوجيرسي.
وفي حين ينصب تركيز المنتخب المغربي و الإسباني على الحاضر وعلى المنافسة في هذه البطولة، تتجه الأنظار أيضا صوب المحفل المونديالي القادم عام 2030، والذي سيتولى المغرب وإسبانيا والبرتغال تنظيمه بشكل مشترك ، كحدث يتجاوز الأبعاد الرياضية البحتة ليلقي بظلاله على مجالات أرحب.
وإذ كانت النية تتجه نحو استغلال هذه المناسبة ليكون النفق العملاق المخطط له بين إسبانيا والمغرب جاهزا لربط البلدين خلال المونديال، غير أن التقارير التقنية الأخيرة استبعدت هذا السيناريو تماما.
فمشروع “نفق إسبانيا – المغرب” يعد بنية تحتية ذات قيمة جيواستراتيجية ودفاعية هائلة، من شأنها تغيير طبيعة العلاقات بين القارتين الأوروبية والأفريقية.
ومع ذلك، أكدت الدراسة الصادرة عن شركة “هيرنكنيشت” الألمانية أن النفق “لن يرى النور في موعد كأس العالم 2030″، فتنفيذه ممكن من الناحية التقنية لكنه معقد للغاية، ولن يظهر أثره الفعلي على أرض الواقع إلا بحلول عام 2035 أو 2040.
وعادت طموحات مشروع نفق السكك الحديدية تحت مضيق جبل طارق ــ المؤهل ليكون أول ربط بري ثابت بين أوروبا وأفريقيا ــ لتصطدم مجددا بالواقع التقني المعقد. وخلصت الدراسة التي كلفت بها “الشركة الإسبانية لدراسات الاتصالات الثابتة عبر مضيق جبل طارق” (SECEGSA)، وأعدتها شركة “هيرنكنيشت” الألمانية ــ الرائدة عالميا في صناعة آلات حفر الأنفاق ــ إلى أن هذه البنية التحتية لن تدخل حيز التشغيل قبل عام 2035 أو 2040، مما يقصي أي احتمالية لتقديم خدماتها بمناسبة مونديال 2030.
وأكدت الشركة الألمانية أن النفق يظل قابلا للتنفيذ من المنظور التكنولوجي، لكنها حذرت من “التعقيد الجيولوجي لباطن مضيق جبل طارق” (ولا سيما في منطقة “عتبة كامارينال” / Umbral de Camarinal)، وهي معطيات تتطلب فترات أطول للاستكشاف والحفر مما كان متوقعا في البداية.
تداعيات جيواستراتيجية:
يتجاوز هذا التأجيل حدود الهندسة المدنية، فالنفق يحظى بأهمية بالغة لدى إسبانيا والمغرب والاتحاد الأوروبي كونه بنية تحتية ذات ثقل جيواستراتيجي رفيع، قادرة على تحويل حركة تدفق البضائع بين القارتين وتعزيز النفوذ الأوروبي في ممر تلتقي فيه مصالح قوى عالمية كبرى.
ومن شأن هذا الربط الثابت أن يتيح:
دمج الشبكة السككية المغربية في شبكة السكك الحديدية الأوروبية.
و إنشاء ممر لوجستي متصل ومستدام يربط بين مدريد، الرباط، والدار البيضاء.
و ترسيخ مكانة إسبانيا كمنصة محورية للربط بين أوروبا وأفريقيا.
ويعني هذا التأخير حتى منتصف العقد المقبل أن هذه المكاسب لن تتجسد على المدى القصير، في وقت يسارع فيه المغرب الخطى لتحديث منظومته السككية وتوسيع شراكاته الاستراتيجية مع أطراف دولية وازنة مثل الولايات المتحدة، فرنسا.
المضيق كمنطقة دفاعية حرجة:
يُصنف “مضيق جبل طارق” كأحد أكثر الممرات البحرية كثافة وحساسية في العالم.
وكان من شأن هذا المشروع أن يضفي أبعادا إضافية على مستوى الربط الاستراتيجي، والتعاون الأمني، والمراقبة تحت المائية، وحماية البنيات التحتية الحيوية.
ومع تأكيد هذا التأجيل، سيتعين حسب تقييم ومنظور صحافة القارة العجوز، على إسبانيا والاتحاد الأوروبي الإبقاء لفترة أطول على المقاربة الدفاعية الحالية القائمة على:
1. التفوق البحري والجوي في منطقة المضيق.
2. التنسيق الوثيق مع الحلفاء في منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو).
3. تكثيف المراقبة لمواجهة المخاطر المعقدة والتهديدات السيبرانية.
و إن غياب الربط البري الثابت يمدد من عمر سيناريو ستظل فيه التنقلات العسكرية واللوجستية بين الضفتين معتمدة بشكل حصري على النقل البحري والجوي.
مشروع ممكن تقنيا.. ومحكوم بالطبيعة الجيولوجية :
شدد تقرير شركة “هيرنكنيشت” الألمانية على أن العقبة الرئيسية لا تكمن في الجانب التكنولوجي، بل في “البنية الجيولوجية”.
فالتكوينات الرسوبية من نوع “الفليش” (Flysch) ــ وهي تتابعات جيولوجية من الصخور الرسوبية تتألف من طبقات صلبة كالحجر الرملي والجيري تباعا مع طبقات لينة كالطفل والصلصال، ونشأت في أحواض بحرية عميقة ــ إلى جانب عدم استقرار قاع البحر وعمق المسار، كلها عوامل تفرض بناء نفق استكشافي أولي، وإجراء دراسات زلازل متقدمة، فضلا عن تطوير آلات حفر (TBM) مصممة خصيصا لتتلاءم مع طبيعة تربة المضيق.
ورغم أن الهندسة الحديثة قادرة على مواجهة هذه التحديات، إلا أن الجداول الزمنية للتنفيذ تتمدد بشكل حتمي.
و الجدير بالذكر أن التكلفة التقديرية للجانب الإسباني من المشروع تتجاوز حاليا 8.5 مليار يورو، وهو رقم مرشح للارتفاع مع تقدم الدراسات وصياغة الحلول التقنية النهائية.
وسيعتمد التمويل بشكل أساسي على الصناديق الأوروبية، والمساهمات الحكومية، بالإضافة إلى العائدات المتوقعة من الخدمات اللوجستية وقطاع الاتصالات.