تفويت مهام العلاج إلى شركات المناولة… خطر يهدد صحة المواطن ويحوّل مستقبل المهنيين إلى مجرد صفقة
بقلم: حمزة ابراهيمي
بدأت سياسة تفويت الخدمات داخل المؤسسات الصحية العمومية، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، بخدمات مساندة مثل النظافة والحراسة والإطعام، لكنها لم تمتد يوما إلى صميم العملية العلاجية أو إلى المهام المرتبطة مباشرة بالمريض. غير أن ما يجري اليوم بشأن تفويت مهام مرتبطة بالعلاج داخل المجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة تطوان الحسيمة عموما، وبتطوان خصوصا، يكشف عن تحول غير مسبوق وخطير في تدبير الموارد البشرية الصحية. فهناك فرق جوهري بين إسناد خدمة لوجستيكية إلى شركة متخصصة وبين تفويت مهام تتصل برعاية المريض ومواكبته اليومية إلى عمال يتم تشغيلهم خارج المسار النظامي للتوظيف والتأطير الصحي. وتمرير هذا النموذج اليوم على فئة المساعدين في العلاج يفتح الباب أمام توسيعه غدا ليطال مهام الأطباء والممرضين وتقنيي الصحة والتقنيين والمتصرفين وباقي مهنيي الصحة، بما ينقل الصحة من خدمة عمومية تقوم على الكفاءة والمسؤولية والاستقرار إلى نشاط تجاري تحكمه العقود وحسابات الكلفة والربح.
ومن هذا المنطلق، أعلنت النقابة الوطنية للصحة العمومية، العضو المؤسس للفيدرالية الديمقراطية للشغل، رفضها القاطع لتفويت المهام الصحية والعلاجية المباشرة إلى شركات المناولة، واعتبرت ذلك خطا أحمر لا يتعلق بالدفاع عن فئة مهنية واحدة، بل بحماية مستقبل الوظيفة الصحية العمومية التي كرسها القانون رقم 09.22 المتعلق بالوظيفة الصحية. ففي الوقت الذي كانت فيه النقابة بجهة طنجة تطوان الحسيمة تنتظر من الإدارة، على المستويين الإقليمي والجهوي، معالجة نواقص واختلالات العرض الصحي بالمستشفى الجهوي للتخصصات بتطوان، وتقليص مدة انتظار المرضى والمرتفقين، ومعالجة الخصاص في الموارد البشرية والاكتظاظ وضعف المؤشرات الصحية، وتوفير المعدات ووسائل العمل والمستلزمات الضرورية، وإصلاح الأجهزة المعطلة، فوجئت بشروع الشركة التي أسندت إليها صفقة تفويت خدمات المساعدين في العلاج في التواصل مع عدد من الأشخاص واستدعائهم للالتحاق بالمستشفى تنفيذا لطلب العروض. لذلك تطالب النقابة بتوقيف الصفقة، وتصر على فتح حوار مؤسساتي مسؤول، وتؤكد أن إصلاح المنظومة لا يتحقق بتوسيع التشغيل الهش أو بإحلال الشركات التجارية محل التوظيف العمومي النظامي.
إن أول من سيتحمل نتائج هذا التوجه هو المريض، لأن العلاج لا يقوم على تنفيذ مهام منفصلة ومعزولة، بل على عمل فريق صحي متكامل، يعرف كل فرد داخله مسؤوليته وحدود اختصاصه، ويخضع لتأطير مهني وإداري مستمر. أما إدخال شركة خاصة بين المؤسسة الصحية ومقدم الخدمة، فقد يؤدي إلى تشابك المسؤوليات المهنية والقانونية وصعوبة تحديدها عند وقوع خطأ أو ضرر. كما أن سعي الشركات الدائم إلى تقليص النفقات وضمان هامش الربح سينعكس على عدد المستخدمين واستقرارهم وأجورهم وظروف عملهم ومستوى تكوينهم ومواكبتهم، بما يمس جودة الرعاية والمراقبة والنظافة والتعقيم والعناية اليومية بالمرضى داخل الأقسام. وهكذا سيتحول ما يقدم باعتباره اقتصادا في كلفة التدبير إلى عبء صحي واجتماعي أكبر، ينعكس على المواطن وعلى مردودية مستشفى كلف إنجازه أزيد من 80 مليار سنتيم، ويضعف انطلاقة المنظومة الصحية الجديدة التي لم تستكمل بعد سنتها الأولى بجهة الشمال.
ولا يقل أثر المناولة خطورة على مهنيي الصحة والخريجين ومستقبل المرفق العمومي. فكل منصب تسنده الإدارة الصحية إلى شركة خاصة هو منصب لا يفتح للتوظيف النظامي، وغياب مباريات التوظيف يعني تقليص المناصب التي تبنى عليها الحركة الانتقالية وإعادة الانتشار والترقية وتفعيل مقررات الانتقال. والسلسلة هنا واضحة ومترابطة: تمرير الصفقة يعوض المباريات، وغياب المباريات يؤدي إلى ندرة المناصب، وندرة المناصب تعطل فرص التوظيف وتنظيم الحركة الانتقالية والترقي، وتهدد الاستقرار المهني. كما أن تشغيل مهنيين عن طريق شركة خاصة يجعل علاقة الشغل قائمة مع الشركة لا مع إدارة المجموعة الصحية الترابية، ويحرمهم من المسارات والحقوق المهنية التي يستفيد منها العاملون داخل الوظيفة الصحية العمومية، ويضعف إمكان الترافع بشأن أوضاعهم الإدارية والاجتماعية داخل المؤسسات الصحية. ومن غير المقبول أن تستثمر الدولة في تكوين أفواج من مساعدي الصحة والممرضين وتقنيي الصحة والأطباء داخل الجامعات والمعاهد العمومية، ثم تترك خريجيها في البطالة وتفتح المجال أمام شركات خاصة لتشغيل أشخاص في المهام نفسها ضمن وضعيات أقل استقرارا. إن هذا التوجه يهدر الاستثمار العمومي في التكوين، ويخلق فئات تؤدي مهاما متقاربة بحقوق ووضعيات مختلفة، ويضعف قدرة المرفق الصحي على بناء موارد بشرية مؤهلة ومستقرة ومندمجة، ويمهد لتعميم المناولة مستقبلا على فئات صحية أخرى.
وفي مقابل هذا الرفض، قدمت النقابة الوطنية للصحة العمومية ف د ش بدائل واقعية تقوم على وقف تفويت المهام العلاجية واعتماد التوظيف النظامي عبر المباريات العمومية، خاصة أن المجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة تطوان الحسيمة تتوفر على 436 منصب شغل لم تجر مباريات التوظيف بشأنها إلى اليوم. كما دعت إلى تخصيص مناصب كافية للمؤسسات التي تعاني الخصاص، وتنظيم طلبات تباري محلية أو إقليمية أو بين إقليمية للانتقال، وتفعيل مقررات الحركة الانتقالية، وإعادة انتشار المساعدين في العلاج الذين يمارسون مهاما إدارية وتمكينهم من العودة إلى المهام التي جرى توظيفهم من أجلها، وفق معايير منصفة وشفافة. وطالبت كذلك بالإسراع بإخراج النظام الأساسي لهيئة مساعدي الصحة، وتسوية أوضاعها المهنية، واستيعاب خريجي مؤسسات التكوين التابعة للدولة، وربط افتتاح المؤسسات الصحية الجديدة بتخطيط مسبق لحاجياتها من الموارد البشرية والتجهيزات. فالصحة العمومية ليست سلعة، والمريض ليس رقما في دفتر تحملات، والمهام العلاجية ليست مجالا للمتاجرة، بل مسؤولية إنسانية ومهنية يجب أن تظل بين أيدي مهنيين مؤهلين يشتغلون داخل إطار عمومي واضح، ويخضعون للتكوين والتأطير والمراقبة والمحاسبة، لا بين أيدي شركات تجعل تقليص الكلفة وتحقيق الربح في صلب منطق اشتغالها.