عقدة المغرب وأوهام العسكرة: رد على هراء خوسيه ماريا أثنار

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

لم يكن غريبا على من بنى مساره السياسي على أوهام العظمة الزائفة والمغامرات الدبلوماسية الفاشلة أن يخرج علينا اليوم بتصريحات أقل ما توصف به أنها أكليشيهات شوفينية بائدة تمت إلى منطق القرون الوسطى بصلة، وتتجاهل جذريا حقائق الجغرافيا والتاريخ وتوازنات القوة في المنطقة.
ففي ظهور إعلامي يعكس حالة متقدمة من التخلف عن روح العصر، خرج رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق، خوسيه ماريا أثنار، عبر إذاعة (COPE)، ليطالب بـ “عسكرة” مدينة سبتة السليبة، مروجا بكل سخافة وسذاجة سياسية لفكرة مهلهلة مفادها أن “مستقبل إسبانيا مرهون بما سيحدث في سبتة”!…
إن هذا الطرح الصبياني لا يمثل فقط دعوة مفضوحة للخلق المجاني للتوتر والتشنج مع المغرب، بل يكشف عن عقدة نفسية وسياسية مزمنة اسمها “المغرب”، يبدو أن أثنار لم يستطع التعافي منها منذ أن كان في سدة الحكم.
هراء “الخيار العسكري” والسقوط في خطاب الماضي:
يفترض أثنار، في تعاليه ، أن الاستجابة للتحديات الإقليمية والملفات المعقدة المرتبطة بالهجرة أو الجوار تكون بحشد الدبابات وإشهار البنادق، مغالطا الرأي العام بكون “الحماية” تتطلب “قرارات حازمة ومباشرة من الدولة”.
وهذا المنطق الأعرج يبرز بوضوح كيف أن الرجل بقي سجينا لمفاهيم شوفينية انقرضت مع انقراض زمن “الهيمنة الاستعمارية”، حيث يعامل قضايا شائكة بتبسيط مجحف وسطحي سياسي لا ينتج سوى العزلة والمزيد من الفشل.
إن الدعوة إلى عسكرة مدينة سليبة تقع في الصلب الجغرافي للشمال المغربي هي صرخة في الفراغ، ومحاولة بائسة لإعادة إحياء أمجاد شخصية وهمية على حساب الأمن والاستقرار الإقليميين.
التاريخ يعيد نفسه: دروس 2002 التي لم يفهمها أثنار
ليس غريبا على أثنار أن يسقط في هذه المطبات، فالرجل ذاته هو من قاد الموقف الإسباني سنة 2002 إبان أزمة جزيرة (ليلى)، حينما استعرض عضلاته العسكرية في حادثة طبعت تاريخه الدبلوماسي بالسواد والخزي.
في تلك المرحلة، اصطدم أثنار بصلابة الموقف المغربي وقوته الدبلوماسية والأمنية، وعلم مليا أن المغرب ليس جدارا قصيرا يمكن القفز عليه أو ابتزازه.
غير أن بنيته الفكرية المنغلقة منعته، على ما يبدو، من استيعاب الدرس،فالمغرب شريك إستراتيجي و يمتلك اليوم رصيدا
هائلا من الحكمة الدبلوماسية والرزانة الجيوسياسية، إضافة إلى منظومة أمنية ودفاعية يحسب لها ألف حساب قاريا ودوليا.
وأبانت إدارة أثنار للأزمات سابقا أن الخيارات العسكرية وعض الأصابع لا تنتج سوى قطيعة مجانية وإضرارا بمصالح إسبانيا الإستراتيجية قبل غيرها.
و يتغافل أثنار—عن جهل أو عن عناد شوفيني—أن المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس.
إن المملكة المغربية باتت قوة إقليمية هادئة، تتحرك بثبات وتنضج في إدارة ملفاتها الحيوية، وتعتمد سياسة النفس الطويل والحوار الرصين، بعيدا عن المراهقة السياسية والخطابات الرنانة.
إن الاعتماد على الشعوذة السياسية وإثارة الفزاعات الخارجية لتصدير الأزمات الداخلية أو لمغازلة القواعد الراديكالية هو أسلوب بائد لم يعد يجدي نفعا في عالم التكامل والمصالح المشتركة.
وفي الختام، يكرس خوسيه ماريا أثنار بصراخه المنادي بالعسكرة حقيقة واحدة: أنه سياسي مفلس تجاوزه التاريخ، وغرق في عقده القديمة، ليبقى صوته مجرد صدى نشاز يعكس خرفا سياسيا وتخلفا صريحا عن إدراك حقائق العصر.

error: Content is protected !!