سطحية الخطاب الشوفيني: دعوة “فوكس” لتعليق معاهدة حسن الجوار وقصر النظر الاستراتيجي

هالة انفو. بقلم:عبد العزيز حيون

تتجسد النزعة الشوفينية الراديكالية في أوضح صورها عندما تصبح المصالح الجيوسياسية العليا للأمم رهينة للحسابات الحزبية الضيقة والشعارات الشعبوية الزائفة.
ولعل الدعوات المتكررة التي يطلقها حزب “فوكس” الإسباني اليميني المتطرف الداعية إلى تعليق “معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون” مع المملكة المغربية تضع هذا الحزب في مواجهة مباشرة مع منطق الجغرافيا واستحقاقات التاريخ.
إن هذه المطالب لا تعكس فقط عداء إيديولوجيا أعمى، بل تكشف عن سذاجة سياسية وقصر نظر استراتيجي يهدد الأمن القومي الإسباني قبل غيره.
وتعتمد أطروحة حزب “فوكس” على التجييش الإيدلوجي واستغلال ملف الهجرة غير النظامية لخلق خصم وهمي والتغطية على غياب أي رؤية واقعية لديه لبناء سياسات خارجية متوازنة وواقعية .
وفي غمرة هذا الانغلاق الشوفيني، يتجاهل الحزب اليميني الإسباني حقيقة أساسية، وهي أن المغرب ليس مجرد جغرافيا محاذية، بل هو شريك استراتيجي موثوق ودعامة رئيسية للاستقرار في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا وأوروبا.
إن القول بجدوى التضحية بالتعاون مع الرباط يعكس جهلا عميقا بحجم الأدوار التي تؤديها المملكة، فالمغرب يمثل الخط الدفاعي الأول عن أوروبا في مواجهة مخاطر متعددة، بدءا من تفكيك شبكات الهجرة غير النظامية وتهريب البشر، وصولا إلى التعاون الاستخباراتي النوعي الذي جنب إسبانيا ودولا أوروبية متعددة أزمات أمنية وضربات إرهابية وشيكة.
ويعي الساسة العقلاء أن إدارة العبور والتحديات العابرة للقارات تتطلب منطق الشراكة والتنسيق التكاملي، وليس سياسة الاستعلاء أو القطيعة ورفع شعارات جوفاء .
وإن دعوة حزب يفتقر للخبرة الدبلوماسية إلى قطع الأواصر وتعليق الاتفاقيات الثنائية لا تعني سوى تقويض مناخ الثقة المتبادلة الذي استغرق عقودا من العمل الدبلوماسي الحثيث لتأسيسه.
إن مثل هذه الطروحات الشوفينية تؤدي عمليا إلى تدمير مكاسب الأمن المشترك و ضرب التنسيق الأمني والمساعي الثنائية لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب والأهم محاولة تقويض الثقة بين بلدين قربهما يعود بالنفع على الكل.
ويتسبب ذلك في الإضرار بالمصالح الاقتصادية الإسبانية والأوروبية وإفشال العلاقات التجارية والاستثمارية الناشطة التي تعود بالنفع المباشر على الاقتصاد الإسباني والشركات الأيبيرية واقتصاد القارة العجوز .
كما يتسبب ذلك ،كما يعرف العقلاء، في خلق حالة من الضعف الأمني ومفاقمة التحديات الحدودية بدلا من حلها، حيث إن غياب الحوار يعني غياب الآليات التنظيمية الشاملة.
و تثبت الحقائق الجيوسياسية أن العلاقات المغربية الإسبانية أعمق وأقوى من أن تنال منها المزايدات السياسية لحزب متطرف يستغل الأزمات لتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة.
إن السذاجة التي يتسم بها خطاب “فوكس” تضع الإسبان أمام حقيقة واضحة: وهي أن المغامرة بالروابط مع جار موثوق ومحوري كالمغرب هي تضحية بالأمن والاستقرار لصالح وهم إيديولوجي قاصر لا ولن يصمد أمام الواقع.

error: Content is protected !!