تجار الآلام خلف الجدران المغلقة: كيف تحولت سبتة من بؤرة تهريب البضائع إلى سوق للاتجار بالبشر؟

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

لم يكن إغلاق معبر “تاراخال” وقطع المغرب لدابر “التهريب” مجرد قرار إداري لإنهاء اقتصاد الهامش، بل كان حجر الزاوية الذي كشف عورة النموذج الاقتصادي المتهالك لمدينة سبتة السليبة. فبينما كانت أطنان البضائع المهربة تعبر سابقا لتنعش خزائن التجار وتغطي على هشاشة البنية الاقتصادية للمدينة السليبة، فرض الواقع الجديد تحولا دراماتيكيا في نشاط الشبكات غير القانونية، حيث استبدلت السلع بأشياء أخرى، وتحولت الفرص الضائعة إلى تجارة مربحة تديرها مافيات العقار والتهريب من داخل “المنازل السرية”.
في أزقة أحياء مثل “إل برينثيبي” وشوارع هامشية أخرى، تتناسل ظاهرة مقلقة تدار بعيدا عن أعين الرقابة: شقق ومنازل سرية تكترى بأسعار خيالية للمهاجرين غير النظاميين تقطعت بهم الأسباب.
و تستغل حاجة هؤلاء المهاجرين للتواري عن أعين الشرطة، ليحشر العشرات منهم في غرف ضيقة تفتقر لأدنى شروط الحياة الآدمية. مقابل أسعار تتجاوز بكثير قيمتها العقارية، يستنزف السماسرة وتجار المآسي ما تبقى في جيوب المهاجرين من مال معدود، ليتحول حلم الهجرة نحو القارة العجوز إلى كابوس احتجاز واستغلال تحت تهديد التبليغ أو الطرد.
إنها تجارة جشعة تتغذى على الخوف واليأس، وتحقق أرباحا طائلة لأصحابها على حساب كرامة الإنسان.
ويعرب هذا المشهد قاتم السواد عن مفارقة صارخة عندما يقارن بالخطاب الرسمي الصادر عن “عمدة” سبتة السليبة، خوان فيفاس.
ففي الوقت الذي تتسع فيه شقوق الأزمة الديموغرافية والأمنية والاجتماعية داخل أحياء المدينة، يواصل “العمدة” عزف نغمة “البعد الإنساني” والأزمة الضاغطة للضغط على حكومة إسبانيا والمؤسسات الأوروبية في بروكسل.
و تتحول المناشدات المتكررة لطلب الدعم المالي واللوجستي، ونقل القاصرين المهاجرين إلى أقاليم إسبانية ، إلى ما يشبه “استراتيجية تسول سياسي” متطورة.
بدلا من ابتكار حلول هيكلية مستدامة لإعادة هيكلة النسيج الاقتصادي للمدينة بعد انتهاء عصر التهريب، تفضل الإدارة المحلية استخدام ورقة الضغط الإنساني لانتزاع تدفقات مالية وإعانات ، متناسية أن الحلول الترقيعية لا تعالج الجذور الممتدة للأزمة.
و تتجلى المفارقة الفاقعة في سبتة اليوم بين طرفين ينشطان على هامش المأساة نفسها:
تجار الظل: يستغلون الفرصة القائمة في أزقة المدينة لامتصاص دماء المهاجرين وتحويل آلامهم إلى تراكم مالي غير مشروع. الطبقة السياسية: تستغل الأزمة نفسها على المنابر الإعلامية وفي المحافل الرسمية للحصول على مكاسب سياسية ومالية من مدريد وبروكسل، دون وضع حد فعلي للانتهاكات التي تقع على بعد خطوات من مقراتهم الإدارية.
إن معالجة المعضلة في سبتة السليبة لا تبدأ من مراكمة طلبات المساعدات المالية الخارجية ولا بتصدير الأزمات، بل تبدأ من فتح ملفات الفساد المحلي، وتفكيك شبكات الإثراء غير المشروع التي تقتات على بؤس المهاجرين، والاعتراف بأن مرحلة الاعتماد على اقتصاد الهامش قد انتهت بلا رجعة، وأن بناء واقع جديد يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع الكرامة الإنسانية وحكم القانون فوق كل حسابات مالية أو سياسية.

error: Content is protected !!