من الغرائب التي تثير الدهشة في سلوك سياسيين إسبان ، ذلك التناقض الصارخ والتنافر المعرفي الذي يطبع مواقف جزء منهم تجاه التاريخ والجغرافيا.
تجدهم يتحدثون بجرأة مصطنعة عن آفاق جغرافية بعيدة، ويمدون أنظارهم خلف البحار نحو القارة الأفريقية، بينما تصاب ألسنتهم بالخرس وتتغشى أبصارهم عند الحديث عن “جبل طارق” المقابل لأسوارهم، في ازدواجية فاضحة تكشف حجم الارتباك الذي تعيشه نخبة سياسية في مدريد وسبتة .
إن التاريخ لا يجامل، وصفحاته الموثقة لا تكذب، فالتاريخ والواقع البشري، والديني، والاجتماعي يصرخ بلسان واحد: إن الأراضي السليبة في الشمال الأفريقي لم تكن يوما إسبانية، ولم تكن جزءا من نسيجها الطبيعي.
لقد آلت إلى الطرف الآخر في ظروف تاريخية استثنائية يعلمها كل من طالع سطور التاريخ بإنصاف—ظروف قامت على منطق الهيمنة وبطش القوة في لحظات ضعف عابرة.
ويؤكد الواقع اليومي و الديموغرافي أن الهوية الحقيقية لتلك الأرض تجري في شرايين أهلها الذين ينتمون إلى محيطهم الطبيعي والأصلي.
وفي مقابل هذه الجرأة “الزائدة”، تقف ثلة من السياسيين الإسبان عاجزة ومكبلة أمام ملف صخرة قريبة .
فهناك، تتلاشى النبرة العالية وتختفي الشعارات الحماسية، ويحل محلها الهروب إلى الأمام والتحاشي التام لمواجهة الواقع الجغرافي والسياسي على الحدود المباشرة.
ولعل الأشد إثارة للرثاء في هذه الدراما السياسية هو محاولة هؤلاء الساسة الاستقواء بالاتحاد الأوروبي ومؤسساته لتغطية الفشل الذريع ،فشل يتجلى في عجزها حتى عن تأمين معابر ضيقة ومحدودة المسافة، رغم تدفق المليارات من أموال الدعم الأوروبي المخصصة لمراقبة منطقة صغيرة جغرافيا.
وبدلا من مواجهة هذا العجز التسييري، يتجه ساسة إسبان بلا حياء نحو المملكة المغربية، ليتكلوا عليها كليا في حماية منطقة يدعون امتلاكها لكن على الآخر حمايتها وإعادة ضبط تدفقات الهجرة، ولعب دور الحارس الأمين .
إنها مفارقة عجيبة: ساسة يمارسون الأستاذية في قارة أخرى، بينما يعتمدون كليا في أمنهم واستقرارهم الداخلي على الجار المغربي الذي يتحمل العبء الأكبر لحماية أوروبا.
لقد حان الوقت لتتخلى ثلة من النخبة السياسية الإسبانية عن سياسة النعامة، وأن تدرك أن الاستقواء بالكتل الإقليمية والهروب إلى الأمام لن يغير من حقيقة التاريخ شيئا، ولن يغطي على عجز صار مكشوفا أمام العيان.