في خطوة تعكس عقلية استعمارية عفا عليها الزمن وتأبى إلا أن تسبح عكس التيار التاريخي، يواصل الحزب الشعبي الإسباني (PP) تحركاته اليائسة داخل قبة البرلمان الأوروبي في محاولة بائسة لفرض وقائع جغرافية مزيفة لا أساس لها على الأرض.
ولم يكتف الحزب اليميني بالقفز على الحقائق التاريخية والجغرافية الثابتة التي تؤكد مغربية المدينتين السليبتين ،سبتة ومليلية، بل تعداه إلى محاولة تسخير المؤسسات الأوروبية لخدمة أجندة ضيقة ترمي إلى التغطية على إخفاقات تدبيرية ذريعة وفشل هيكلي ذريع في اقتصادات المدينتين بعد قطع شريان التهريب المعيشي الذي كان يغذي عجزهما التاريخي.
و لم يعد خافيا على أحد أن تحركات الحزب الشعبي الأوروبية تأتي في سياق الهروب المستمر من مواجهة الأزمات الحقيقية والتخبط في إيجاد بدائل تنموية جادة.
فبدلا من الاعتراف بأن سبتة ومليلية عانتا لعقود طويلة من تبعية اقتصادية هشة قائمة على التهريب الممنهج والتجارة غير المؤطرة ، يختار الحزب الإسباني لغة الاستجداء، مطالبا بما يسميه زورا “وضَعا قانونيا خاصا” و”تعويضا عن العزلة الجغرافية والهيكلية”.
إن هذه المطالب ليست سوى محاولة مفضوحة لابتزاز الصناديق الأوروبية وضخ أموال طائلة للتعويض عن الفشل التراكمي في خلق اقتصادات منتجة ومستدامة داخل المدينتين السليبتين، مع تجاهل تام ومقصود لجبل طارق في مفارقة تكشف ازدواجية المعايير والانتقائية المفضوحة في الطرح الإسباني على الأقل الحزبي.
وفي محاولة يائسة لترسيخ سيادة وهمية تتبخر أمام صلابة التاريخ والواقع، يلح الحزب الشعبي على تعزيز دور الوكالة الأوروبية لحراسة الحدود والسواحل (Frontex) ،التي يوجد مقرها بالعاصمة البولونية وارسو ، وإدراج المدينتين بالكامل ضمن صناديق التعافي.
يعكس هذا التوجه ركونا كاملا إلى المقاربات الأمنية الضيقة، في محاولة يائسة لعزل المدينتين عن محيطهما الطبيعي، متناسين أن أي تنمية حقيقية أو استقرار مستدام لا يمكن أن يبنى على أنقاض الجفاء وتجاهل الحقائق الجيوسياسية للمنطقة.
معركة “غوغل مابس”: ذر للرماد في العيون:
أما السقوط الأثمل في هذه المسرحية الهزلية فيتجلى في استهداف منصة العملاق التكنولوجي “غوغل” (Google Maps)، إثر شكاوى صفراء تتعلق باستخدام خطوط متقطعة لترسيم الحدود البرية.
و الهروب نحو مواقع التكنولوجيا والخرائط الرقمية للاحتجاج على خطوط وهمية يبرز مدى عجز الحزب الشعبي الإسباني عن مواجهة الواقع الحقيقي، فالأرض لمن ملكها، والتاريخ والجغرافيا لا تزورهما خطوط رقمية أو قرارات برفوف بروكسل.
كما أن إثارة زوبعة حول “تصحيح الحدود” عبر منصات الإنترنت ليس إلا محاولة بائسة لتضليل الرأي العام الإسباني، وتوجيه الأنظار بعيدا عن العجز المستفحل في إدارة الشأن المحلي والاقتصادي لسبتة ومليلية السليبتين.
و “السياسات البئيسة” للحزب الشعبي في البرلمان الأوروبي تثبت يوما بعد يوم أنها تعيش خارج الزمن التاريخي، ومحكومة بهاجس استعماري قديم لم يعد يجد له صدى في عالم يدرك جيدا أن مغربية سبتة ومليلية هي حق تاريخي لا يسقط بالتقادم، وأن محاولات الاستجداء المالي والأمني لن تضفي شرعية على أرض محتلة، وأن مصير المنطقة يرتبط حتما بمسار التعاون الإقليمي الحقيقي لا بأوهام الحدود المصطنعة.