أسرار تربيعتي “الكوزة” و”الياسمين” في تطوان العتيقة وصياغة الذكاء العمراني في ساحات من نور وذاكرة
هالة انفو. بقلم:عبد العزيز حيون
تنفرد المدينة العتيقة لتطوان بتفاصيلها العمرانية الفريدة، حيث لم تكن هندسة فضاءاتها يوما وليدة المصادفة، بل نتاج رؤية إنسانية واقتصادية واجتماعية متكاملة أبدعها أجدادنا.
ومن بين أجمل تجليات هذه العبقرية العمرانية، تبرز الساحات الصغيرة المربعة الشبيهة بالنوافذ المفتوحة على قلب الدروب، والتي يطلق عليها أهل تطوان اسم “التربيعة”، حيث تتجلى هذه الفلسفة بأبهى صورها في فضائيين ساحرين: “تربيعة الكوزة” و”تربيعة الياسمين”.
وتستقر “تربيعة الكوزة” —أو ما تعرف أيضا ب”ساحة الخروب”— كواحدة من أقدم الساحات المصغرة بوسط الحمامة البيضاء.
في الأمس ، كانت هذه “التربيعة” بمثابة شريان حرفي ينبض بالحيوية والنشاط، إذ احتضنت تكتلا فريدا لمهن أصلية، في مقدمتها صناعة “البلغة” التطوانية الشهيرة بحرفيتها العالية، إلى جانب حرفة “الدرازة” (نسج الأقمشة التقليدية) ..وكانت الدكاكين المتراصة تعزف إيقاعا يوميا للعمل الجاد، وتفوح منها روائح الجلد المصلوح والأشغال اليدوية المتقنة.
واليوم، ورغم أن حرفة صناعة الأحذية التقليدية قد انحسرت فيها بمرور الزمن، إلا أن الساحة لم تفقد روحها ، بل ارتدت حلة جديدة أكثر هدوءا وشاعرية.. لقد تحولت معظم دكاكينها مع مرور الزمن إلى محلات غيرت خدمتها الأصلية ومقاه تقليدية صغيرة ، لتغدو التربيعة الملاذ الأفضل لمن يبحث عن لحظة سكينة وسط أجواء تراثية تفوح منها نكهة الماضي وأحاديث المارة.
وعلى مقربة من “تربيعة الكوزة”، تتنفس “تربيعة الياسمين” عبر اسمها الرقيق والشاعري .. و تشكل هذه الساحة المربعة متسعا بصريا يُفرِج عن عابري الدروب الضيقة، وتتوزع حولها المتاجر في نسق متجانس بديع.
تتميز “تربيعة الياسمين” بهويتها الصياغية الباهرة، إذ تعد الموئل الرئيسي لـمحلات بيع الحلي التقليدية وبعض أنواع المجوهرات . و هنا تلتقي أنامل المعلمين الصياغ مع بريق الذهب ونقاء الفضة، في فضاء يعرض أروع ابتكارات الحلي التطوانية والمغربية وحتى الأجنبية، متيحا للزائر تجربة تَسَوّق تحتفي بجماليات الصنعة ورقي الذوق وخاصة جمالية االمدينة العتيقة .
ورغم صغر مساحتهما ، تمثل “تربيعة الكوزة” و”تربيعة الياسمين” شاهدا حيا على الفطنة الاجتماعية و الاقتصادية والتنظيم العمراني الاستباقي للرعيل الأول من أهل تطوان، والذي استند إلى معايير دقيقة ،تمثلت أساسا في الفصل الذكي بين التجارة والسكن و حماية حرمة الدور السكنية وخصوصية العائلات بعزل الفضاءات التجارية في بؤر محددة ومستقلة ،وتمثلت أيضا في التخصص المهني والتكتل الحرفي و تجميع أصحاب الصنعة الواحدة في ساحة واحدة لتسهيل تبادل الخبرات، وتحفيز روح الجودة، وخلق مدرسة حية لنقل أسرار الحرفة بين الأجيال.
كما تتمثل في تأسيس مفهوم “أسواق القرب” وتوفير المراكز الحرفية والتجارية على مقربة من الساكنة لتقريب الخدمات وتسهيل جلب السلع ،وبالأساس حكامة التسويق عبر تسهيل مهام أمناء الحرف في مراقبة جودة السلع، وضبط الأسعار، وحل النزاعات، وتطبيق معايير المعاملة العادلة.
إن زيارة “تربيعة الكوزة” و”تربيعة الياسمين” اليوم تذكرنا بأن التراث التطواني ليس فقط متاحف صامتة، بل هو أسلوب حياة متجدد ، يمنحك استراحة تأمل ويمتع نظرك ببريق الحلي العتيق، وكلاهما يهمس للزائر: هنا مَرّ الأجداد بذكائهم، وتركوا لنا أثرا يرفض النسيان.