صرخة ضمير و محاكمة الأمل دفاعا عن حق الحياة

هالة انفو. بقلم:عبد العزيز حيون

بين طيات السكوت المطبق والانتقاد العابر، تبرز أحيانا أصوات جريئة تأبى إلا أن تسمي الأشياء بمسمياتها، متجاوزة جدران الخوف والتردد لتلامس جرحا وطنيا نازفا.
ولعل قضية الدكتور رشيد شرقاب تمثل اليوم واحدة من أعمق الاختبارات لضمير المجتمع المغربي ولاهتمام النخبة المثقفة والواعية على قضاياه المصيرية.
فحين يحاكم طبيب لكونه جهر بما يراه الجميع سرا جهارا—متحدثا عن نقص البنيات والتجهيزات الأساسية في مستشفى عمومي—فإننا لسنا أمام نازلة قضائية عابرة فقط ، وإنما أمام محطة مفصلية تسائل علاقة المواطن بالمؤسسات، ودور النخبة الحية في الدفاع عن المصلحة العامة.
إن الحكم الذي صدر في حق الدكتور شرقاب لم يمر مرور الكرام، بل شكل صدمة أيقظت في وجدان الفئات الواعية من المجتمع—أطباء، حقوقيين، إعلاميين، ومواطنين غيورين—إحساسا عميقا بالتضامن والمسؤولية المشتركة.
فالتعبير الذي قام به هذا البروفيسور لم يخرج يوما عن إطار المسؤولية الأخلاقية والمعنوية، فهو لم يسع لفتنة أو تحريض، بل أدى واجبه كإنسان ومواطن قبل أن يكون مهنيا، منبها إلى خلل هيكلي يكتوي بناره المريض البسيط قبل غيره.
وتضامن النخبة معه ليس دفاعا عن شخص فحسب، بل هو دفاع عن حرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريا، وعن حق الأطقم الطبية في دق ناقوس الخطر دون خوف من التضييق أو العقاب.
و المفارقة العجيبة التي تسائلنا جميعا تكمن في كون النهوض بالقطاع الصحي يشكل جوهر كل البرامج الحزبية والمخططات التنموية الكبرى بالمغرب.
فالصحة ليست قطاعا خدماتيا عاديا، بل هي الركيزة الأساسية للتماسك الاجتماعي، وتأخذ حيزا مركزيا من توجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس والجهات المسؤولة كأهم ورش اجتماعي يستأثر باهتمام المغاربة قاطبة.
فكيف يعقل إذن أن يتناغم الخطاب الرسمي والتوجهات الكبرى للدولة مع ضرورة الإصلاح العميق، بينما يتابع قضائيا من يرفع الغطاء عما يعانيه الميدان؟ ،و إن إصلاح المنظومة الصحية لا يمكن أن يتحقق في بيئة يعاقب فيها الناصح ويحاصر فيها الصادق.
إن البنيات التحتية والتجهيزات الطبية الحديثة لا قيمة لها إن لم تحم الكفاءات التي تسيرها وتمنحها هامش الحرية والكرامة لقول الحقيقة وتصحيح المسار.
و قضية الدكتور رشيد شرقاب يجب أن تحول إلى فرصة تاريخية للتأمل الجماعي .. فالمجتمع الذي يتضامن مع أطبائه و من يجهر بالحق هو مجتمع حي لا يرضى بالجمود، وهو مجتمع يدرك أن تغيير الواقع الصحي نحو الأفضل يبدأ بالاعتراف بالخلل لا بإنكاره.

error: Content is protected !!