حارس الذاكرة المنسي: “برج السلوم” بتطوان.. أنشودة حجرية تروي قصة أفق ضائع

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

حين تمشي بخطى متأنية على أطراف المدينة العتيقة لتطوان، بين صخب الحياة اليومية وهدوء الجدران العتيقة، الكثير من تخطف أنظارهم الأبواب الكبرى ،كباب العقلة أو باب الرموز أو باب الصعيدة أو الباب السفلي … غير أن العابر هناك قد يمر بجانب قطعة تاريخية فريدة، كأنها خطفت من زمن الأساطير، دون أن يلقي عليها نظرة تأمل أو من ينتبه إليها .
إنه “برج السلوم”، ذلك الحصن المنسي الذي يقف بصمت، حارسا لأسرار تخوم المدينة وأطرافها، رغم تموقعه الاستراتيجي وبنيانه المهيب ورغم كونه يروي قصصا من تاريخ تطوان غير المنسية .
وما يميز ” برج السلوم” هو هندسته الاستثنائية التي تحكي من عبق التاريخ الشيئ الكثير ..ويعود تاريخ بناء هذا الصرح الجميل،رغم كون تاريخه يرتبط بالدفاع والمواجهات العسكرية،إلى أواسط القرن الثامن عشر الميلادي، في حقبة تميزت بالحاجة الملحة لتحصين المدينة وتأمين حدودها.
وتتفرد هذه المعلمة عن غيرها من أبراج السور التطواني بشكلها المضلع المتميز (أو النصف دائري بحسب بعض التصنيفات المعمارية للأسوار) ، والذي يعكس براعة المعماري الأندلسي والمغربي في هندسة الدفاعات الحضرية، حيث يمنحه هذا التصميم قوة صمود بصرية وهيكلية تليق بدور عسكري واستراتيجي كان يؤديه في فترات التاريخ السالفة.
ويقع البرج في موقع شديد الخصوصية، فهو يشكل جزءا لا يتجزأ من حومة الربض الأسفل، متأبطا جنبات حومة السويقة، ومتربعا على هضبة بين باب العقلة وباب الرموز، ليكون صلة وصل حية بين تاريخ الأسوار وذاكرة الأحياء الشعبية القديمة التي تختزل بدورها حكايات عن مدينة لا تشبه باقي المدن ..
و لا تكمن أهمية “برج السلوم” في حجارته المضلعة فحسب، وإنما أيضا في الموقع الساحر الذي يجعله شرفة مفتوحة على جغرافيا الذاكرة التطوانية ، ومن علوه، كان البرج –وما زال– يطل على مناظر طبيعية وحضرية يحولها الزمن أحيانا الى ما لا نرضاه .
ويمتد نظر البرج شرقا وشمالا ليشمل جزءا كبيرا من مناطق سانية الرمل، المحنش، وكيتان، وصولا إلى سفح جبال بني حزمر الشامخة يوم كانت النظرة ممكنة الى أفق جميل ، حيث تلتقي الطبيعة مع مشاعر الإنسان لتمنحه شعورا بالاتساع والحرية بعيدا عن ضجيج الحياة والصخب اليومي والضجيج والضوضاء..
و في زمن ليس بالبعيد، كانت تطوان قليلة التعمير، وكانت هذه المساحات تبسط بساطها الأخضر المليء بالجنانات والبساتين الغناء، حيث تلتحم زرقة الأفق بشموخ جبل غرغيز وسفحه الفسيح العامر بالخيرات والنماء.
كان البرج هناك ليرى ما لا يراه غيره وليكون مرآة تعكس تحولات المدينة من واحات خضراء هادئة إلى حاضرة عمرانية متسارعة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا نهمل حارسنا التاريخي من قيمة “برج السلوم”.. ؟
إنه فعلا لأمر باعث على الأسى أن يحمل “برج السلوم” هذه الحمولة التاريخية والجمالية، ومع ذلك قليلا ما ينتبه إليه المارة، ولا يعرفه الكثيرون من أهل تطوان أنفسهم.
لقد طواه النسيان وسط زحمة الحياة المعاصرة، وبات ظلا خامدا يطل على ضريح الإمام عبد القادر التبين ، أحد الأعلام والرجال المؤسسين لمدينة تطوان ، دون أن يحظى بما يستحقه من التفاتة تعريفية وسياحية.
إن ” برج السلوم” وثيقة تاريخية صامتة، وقطعة من روح تطوان التي تربط الماضي بالحاضر..وإعادة الاعتبار لهذا البرج المضلع، عبر التعريف به وقيمته التاريخية، هي خطوة أساسية لرد الاعتبار للذاكرة الجماعية للمدينة، وتذكير لأجيال اليوم بأن تحت كل حجر في تطوان قصة تستحق أن تروى وتحفظ من غياهب النسيان.
و يقف “برج السلوم” اليوم شاهدا صامتا على تطوان التي ترقب بأسى تحولات الأفق، منتظرا رد فعل واعي من أبناء المدينة ليعودوا فيكتشفوا حارسهم القديم، ويستلهموا من صموده المضلع دروسا في الوفاء للذاكرة والهوية.

error: Content is protected !!