تُعتبر مدينة تطوان من المدن المغربية التي تولي اهتماما بالغا للتقاليد الدينية والاجتماعية، و بالخصوص في شهر رمضان المبارك، حيث يبرز دور المُحْتَسِب (“المَحْسب” حسب منطوق الدارجة التطوانية) و “أُمناء المهن” (أو الحرف) ،كآلية تنظيمية وزجرية أساسية لضمان استقرار السوق والحفاظ على جودة المعيشة و مكافحة الغش والتدليس .
وخلال هذا الشهر الفضيل يقوم المُحتسِب ،الذي يطلق عليه ب”عين المدينة الساهرة ” بأدوار حيوية خلال هذا الشهر الفضيل بمراقبة الآداب العامة والأسواق ..و في رمضان ، يتضاعف جهده لضمان “البركة” والعدل في عمليات البيع والشراء ،سواء بين البائع والمشتري أو بين التجار والصناع أنفسهم على اختلاف مهنهم .
كما من مهام المُحتسِب ضبط الأسعار و منع التلاعب بأسعار المواد الأساسية التي يكثر عليها الطلب (كالتمور، القطاني، والدقيق..) ومحاربة الاحتكار والغش والتدليس واستعمال الأساليب الاحتيالية والخديعة وإظهار السلعة خلاف الحقيقة وإخفاء العَيْب في السلع .
كما هو منوط ب”المَحْسب” مهام مراقبة الجودة و التأكد من سلامة الأغذية،كالحلويات الرمضانية، والتفتيش لضمان نظافة المخابز والمحلات التجارية ،إضافة الى مهام حماية المُستهلك و التدخل السريع لفض النزاعات التجارية التي قد تنشأ بين مختلف الأطراف التجارية والصناعية وبين هؤلاء والمستهلك .
وخلال هذا الشهر الفضيل كان يبرز أيضا دور “أُمناء الحرف والمهن” ،الذين يعتبرون أيضا حُماة وحُراس الجودة والأصول ،الذين يحرصون كل الحرص على السير العادي للمهن التي يمثلونها وتصحيح كل مسار وفعل خاطئ يسيئ الى المجتمع .
و لكل حرفة في تطوان (الجزارون، الخبازون، العطارون…) أمين يمثلهم (كما هو جاري به العمل في المدن الأصيلة)، وفي رمضان على وجه الخصوص ، تتركز مهامهم في تنظيم المهن الغذائية وضمان سيرها العادي ،فأمين الخبازين يسهر على توفر “الخبز” و”البغرير” و”الرغايف” طوال اليوم وبجودة تحترم الذوق التطواني الرفيع ،و أمين الجزارين يحرص على توفير اللحوم الطرية ومراقبة أسعارها، وضمان التزام الجميع بالذبح القانوني…
و بما أن شهر رمضان المبارك في تطوان يرتبط باللباس التقليدي، ينشط أمين الخياطين عبر تنظيم مواعيد تسليم “الجلابة” و”الجبادور” لضمان حصول الساكنة على ملابس العيد في وقتها وفقا للاتفاق الأولي بين المعنيين ،والفصل في الخلافات بين الصناع والزبائن حول جودة المنتوج المعني .
و لا يقتصر دور أمناء الحرف على المراقبة التقنية فقط، بل يمتد ليشمل البُعد التكافلي من خلال التنسيق مع الجمعيات لتوزيع “قفة رمضان” على من يحتاجها ،كما يهم الأمر عوائل بعض المهنيين أو التي توفي معيلها أو أصيب بمرض عِضال أو مُزمن ،وضمان وصول المواد الغذائية للفئات المعوزة بأسعار تفضيلية أو كصدقات.
كما يمتد دورهم الى تنظيم “الأسواق الرمضانية” تحت إشراف “المَحْسب ” ، وحركة الباعة المتجولين في بعض الأحياء لضمان انسيابية المرور وعدم عرقلة المصلين المتوجهين للمساجد ،ومراقبة الموازين و المكاييل مع إصدار أحكام فورية .
ورغم أن الصلاحيات الإدارية اليوم انتقلت بشكل كبير للمصالح الحكومية (العمالة، الجماعة، والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية ولجن المراقبة وحفظ الصحة )، إلا أن “الأمين” والمفهوم التقليدي “للمَحْسب” لا يزالان يتمتعان بسلطة معنوية كبيرة في تطوان، حيث يُحترم رأيهم كمرجعية مهنية وأخلاقية .
و تستمد مؤسسة “الحسبة” في تطوان خصوصيتها من الإرث الأندلسي والمغربي المشترك، فبعد إعادة بناء تطوان على يد “سيدي علي المنظري”، نقل الأندلسيون معهم نظام “صاحب السوق” وهو بمثابة جهاز حماية المستهلك و”قاضي ميداني”.
وتميز المُحتسِب في تطوان تاريخيا بالمرونة والتحضر، فكان لا يكتفي بالعقاب، بل كان يوجه الصناع (الحرفيين) بأسلوب تربوي/تعليمي، مما حافظ على جودة “الصناعة التقليدية التطوانية” بكل تمظهراتها وخصوصياتها .
وفي البعد الاجتماعي والديني، يُعَين “المَحْسب” بظهير شريف أو بتزكية من أعيان المدينة وعلماء بعض الزوايا أو غيرها ،وفي رمضان على الخصوص ، يتحول المُحتسِب إلى “حارس للسكينة”، حيث يمنع الصخب والضجيج في أوقات معينة ويحرص على احترام حُرمة الشهر في الفضاءات العامة.
و نظام الحسبة في تطوان تاريخيا لم يكن فرديا، بل اعتمد على “الأمين” (رئيس كل حرفة)،ومن مهامهم الأساس ،كما سبق الذكر ، تنسيق التموين، مما يجعل التنظيم وكأنه “برلمان اقتصادي مُصغر” خاص بالمدينة ويؤطر أنشطتها التجارية والصناعية .
ويفرض “المَحْسب” إعلان أسعار اللحوم والخضر يوميا ،والتأكد من جودة المعروض ،وتأديب المخالفين من أصحاب المهن والحرف من خلال عقوبات تشمل “التشهير” أو الغرامات المالية لردع الجشعين وكذا “التعزير” في حالة الغش الفادح .
ولازالت مدينة تطوان تحتفظ ب”روح” هذه المهام، وإن انتقلت الصلاحيات قانونيا إلى لجان المراقبة المختلطة ، إلا أن “هيبة المَحْسب” لا تزال حاضرة في الذاكرة الخالدة للمدينة وأهلها .
ولا بد من الإشارة الى أن منصب “المَحْسب” لم يكن يتولاه إلا من يَتصِف ب”العلم والفقه” ويكون عارفا بأحكام السوق وفقا للشريعة ،و النزاهة والهيبة .. وكانت تتضمن “كتب الحسبة” تعليمات ل”صاحب السوق” توضح له كيفية الكشف عن غش اللبن والحرير والعطور .. وما الى ذلك من مواد الاستهلاك .